فهرس الكتاب
لأقتلك، فيبقى المسلم من الضعف والذل واقفا في مكانه حتى يعود إليه التترى بالسيف فيقتله. ومع ذلك كله لم تذل أرواح المسلمين بحيث ينظرون إلى التتار على أنهم خير منهم، أو أنهم جديرون بالاحترام. إنما كانوا في نظرهم مجموعة من الهمج الوثنين المتبربرين لا يستحقون إلا الاحتقار المطلق حتى وهم منتصرون.
وكانت غارات الصليبيين مفاجئة للمسلمين وهم على غير استعداد .. واستغرقت قرنين من الزمان .. لقى المسلمون فيها هوانا شديدا حتى ختم الله لهم بالنصر عليهم أيام صلاح الدين، بعد أن أقاموا دويلات نصرانية في مصر والشام، ومع ذلك لم تذل أرواح المسلمين بحيث ينظرون إلى النصارى على أنهم خير منهم، أو أنهم جديرون بالاحترام. بل كانوا في نظرهم هو المشركين عباد الصليب .. وكانوا يحتقرونهم احتقارا شديدا من أجل شركهم ومن أجل فساد أخلاقهم، وكانوا يقولون عنهم إنهم دياييث. يكون الواحد منهم سائرا مع زوجته في الطريق فتلتقى بصديق لها، فيتنحى الزوج ليتيح للمرأة أن تتحدث مع صديقها ما شاءت من الحديث [1] .
الهزيمة العسكرية وحدها لا تثير إذن في الأمة ذات العقيدة مهما كانت شديدة وغير متوقعة.
ولكن قد يقال إن التفوق العلمى والحضارى والمادى الذى ووجه به المسلمون - مع الهزيمة - هو الذى أثر فيهم هذا التأثير، وحولهم هذا التحول، لأنهم فوجئوا به دفعة واحدة، فانكشف لهم مقدار تخلفهم الرهيب.
وهو قول ظاهرة مقنع .. وقد كان لاكتشاف المسلمين مدى تخلفهم إزاء تفوق الغرب أثر في انبهارهم بما عند الغرب ولا شك .. ولكن هذا وحده لا يفسر. فضلا عن أن يبرر ..
لقد كان المسلمون في بدء حياتهم"متخلفين"فى ميدان العلم وفى الجانب المادى والتنظيمى من الحضارة بدرجة لا تقاس إلى جانب ما كان لدى القوتين المجاورتين فارس والروم .. وكان المسلمون في حاجة إلى الاقتباس منهم والأخذ عنهم في هذين الميدانين، ولكنهم - كما أشرنا في الفصل الأول - لم يشعروا قط أن أعداءهم أعلى منهم، ولا أن ما عند أعدائهم م أفكار ومعتقدات وأنماط سلوك خير مما عندهم. بل نظروا باستغلاء الإيمان إلى هذا كله على أنه جاهلية عمياء لا تهتدى بالهدى الربانى ولا تطبق في حياتها منهج الله. فأخذوا العلم الذى كانوا يحتاجون إليه، وأخذوا من الجوانب المادية والتنظيمية ما وجدوا أنفسهم في حاجة إليه، وطوعوه لمنهج حياتهم، ولم يأخذوا شيئا من معتقدات الجاهلية ولا أفكارها ولا أنماط
(1) انظر كيف انقلبت المعايير في القضية ذاتها بعد الهزيمة الأخيرة فوجد في"المسلمين"من يقول (في مجلة روز اليوسف) إلي متي نظل رجعيين! يكون الواحد سائرًا مع زوجته في الطريق فتلتقي بصديقلها, فيصر الزوج علي الوقوف ليستمع لما يدور بين الزوجة والصديق!.