فهرس الكتاب
سلوكها .. وكان هذا هو المسلك الصحيح بالنسبة للأمة المسلمة حين تشعر بحاجتها إلى شئ تفتقده عندها وتجده عند الأمم الجاهلية من حولها.
أما في هذه المرة فقد كان مسلكها مختلفا كل الاختلاف ..
كان مسلكها هو"الانبهار"بما عند الغرب .. الانبهار الذى يؤدى إلى الأنهيار أمام القوة الغالبة، وتسليم القياد لها بلا تحفظ، والرضى بالتبعية الكاملة لها، بل الامتنان والاغتباط إذا قبلت القوة الظافرة أن تعتبرها من بين الأتباع.
كيف حدث ذلك؟
لا الهزيمة العسكرية وحدها تصنع هذا في الأمة ذات العقيدة، ولا التخلف العلمى والحضارى والمادى وحده يصنع ذلك ن ولا حتى اجتماع الهزيمة والتخلف معا يمكن أن يؤدى إلى كل ذلك الانهيار.
إنما هى الهزيمة الداخلية، الناجمة من التخلف العقدى.
{وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمْ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (139) } [سورة آل 3/ 139]
إن اشتراط الإيمان في الآية الكريمة لايجئ عبثا. فالإيمان الصحيح وحده هو الذى يحول دون الوهن والحزن في حالة الهزيمة أمام الأعداء [1] ، ويحول دون النتائج التى تترتب على الوهن والحزن، وهى الاستسلام للأعداء، والكف عن مقاومتهم، والكف عن محاولة منازلتهم من جديد.
والاستعلاء قرين الإيمان.
الاستعلاء على الجاهلية، والنظر إليها على أنها جاهلية ولو كانت تملك ما تملك من أدوات النصر العسكرى، ومن أدوات التمكن المادى في الأرض.
والآية الكريمة ترد المؤمنين إلى الميزان الحقيقى والمعيار الحقيقى. فحين تكون القضية هى قضية الكفر والإيمان، فالمؤمنون هم الأعلون ولو أصابتهم هزيمة مؤقتة أو ضعف مادى مؤقت، لأن الإيمان بذاته أعلى من الكفر، أعلى منه نفسيا وروحيا وعقليا وأخلاقيا وإنسانيا بمقدار ما يعلو الحق على الباطل، والمنهج الصحيح على المنهج الفاسد، والرؤية الصحيحة على الرؤية الخاطئة، والسلوك المستقيم على السلوك المعوج.
{أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (22) } [سورة الملك 67/ 22]
هذا من الوجهة النفسية والشعورية والوجدانية، التى تمنع الذوبان في العدو، أو الهزيمة الروحية أمامه.
(1) نزلت هذه الآية بعد هزيمة المسلمين في أحد.