فهرس الكتاب

الصفحة 183 من 436

ترك دنلوب الأزهر على ما هو عليه لم يتعرض له على الإطلاق، ولكنه - على الأسلوب البطئ الأكيد المفعول - فتح مدارس جديدة تعلم"العلوم الدنيوية"ولا تعلم الدين، إلا تعليما هامشيا هو في ذاته - كما سيجئ - جزء من خطة إخراج المسلمين من الإسلام

وقال الناس في بادئ الأمر - على البديهة، واستيحاء من البقية الباقية من الحس الإسلامى في قلوبهم - إن هذه المدارس مدارس كفر لأنها لا تعلم القرآن .. إذ كانت المدارس الأولية التى تمهدلدخول الأزهر تعلم القرآن كله في سنوات الدراسة الأربع ..

ولكن مدارس الكفر هذه أصبحت - بتدبير دنلوب - هى الوسيلة للرزق من ناحية، وللمكانة الاجتماعية من ناحية أخرى ..

لقد كان المتخرج من هذه المدارس - بعد أربع سنوات فقط من الدراسة - يعين فور تخرجه في دواوين الحكومة براتب يبلغ أربعة جنيها كاملة، كانت في ذلك الحين تمثل ثروة ضخمة، إذ كانت الأسعار زهيدة إلى حد لا يتصور بالنسبة للأسعار الحالية، وكانت القوة الشرائية للجنيه المصرى عظيمة، بحيث كانت الجنيهات الأربعة تكفى للحياة الكريمة في العاصمة ذاتها، ويستطيع صاحبها أن يتزوج ويكون أسرة، ويتبقى معه بعد ذلك ما يدخره ليشترى به"الأطيان"فى الريف [1] .

أما خريج الأزهر الذى يقضى في الدراسة عشرين سنة من عمره في بعض الأحيان فلا يجد عملا .. وإن وجد عملا في إقامة الشعائر في المسجد فبمائة وعشرين قرشا، تكفى للحياة نعم، ولكنها حياة ذليلة ضئيلة بالنسبة لخريج المدرسة الابتدائية الذى يعمل فى"الديوان".

وحين يكون الوضع على هذا النحو، ويكون لك ولد تريد تعليمه، فإلى أين تذهب به؟ تذهب به إلى الأزهر ليقضى زهرة شبابه هناك ثم يتخرج ليبقى عاطلا، أو يعمل مقيم شعائر في المسجد بهذا الراتب الضئيل؟ أ تذهب به إلى مدارس دنلوب، فيتخرج بعد أربع سنوات ليكون من المشار إليهم في المجتمع، من"موظفى الحكومة"الذين يتودد إليهم البقال والجزار وصاحب المسكن، ويحتلون المكانة المرموقة في كل مكان؟

لقد كان الانتساب إلى الأزهر فيما مضى شرفا تتسابق إليه الأسر. ز وكانت الأسرة التى تحوى ضمن أفرادها"عالما"أى واحدا من خريجى الأزهر، تصبح محط الأنظار، سواء في العاصمة أو في الأقاليم، وينظر

(1) كنت"الفيلا"ذات الحديقة الواسعة في ضواحي القاهرة تئجر بمائة وخمسين قرشًا, وكانت أقة السكر (أي ما يوازي الكيلو وربع الكيلو) تباع بقرشين ونصف القرش, وكانت عشر بيضات كبار بقرش واحد ... وقس علي ذلك بقية تكاليف الحياة!.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت