فهرس الكتاب
إليها الناس بالتبجيل والإكبار، لإن وظائف الدولة يحتل معظمها خريجو الأزهر، فينالون - فىلمجتمع الإسلامى - كل وسائل الرفعة والصعود.
وبصرف النظر عما كان في الأزهر من تخلف عن المنهج الإسلامى الصحيح، الذى كانت تمثله جامعات الأندلس، بل كان يمثله الأزهر نفسه في عصور الازدهار، من الجمع بين علوم الدين والدنيا، وإعداد الناس لعمارة الأرض بمقتضى المنهج الربانى .. فقد كان مرتبطا في حس الناس بالإسلام، وكان رمزا حيا له في ضمائرهم، ومن ثم كان اعتزازهم به، وتوجههم إليه، وكانت لخريجيه تلك المكانة في المجتمع الإسلامى. فأما الآن - في عهد دنلوب - فقد تغير الحال تماما ..
لم يعد يذهب إلى الأزهر إلا الفقراء الذين يعجزون عن دفع مصروفات المدارس"الحديثة"وفى الوقت ذاته ينالون"جزاء"فقرهم ضياعا في المجتمع وهوانا فيه.
وقد تبعت بعض الأسر العريقة واحدا من أبنائها للأزهر من أجل"البركة"وابتغاء المكانة في الريف خاصة - كا صنعت أسرة مصطفى عبد الرازق مثلا - ولكن هؤلاء الأفراد القلائل من خريجى الأزهر من الأر العريقة والثرية لم يكونوا لينفوا الصورة العامة التى صار الأزهر إليها، وهى أنه مأوى الفقراء العاجزين عن دفع تكاليف"التعليم الحديث"العاجزين في الوقت ذاته عن نيل المكانة فى"المجتمع الحديث".
أما خريجو المدارس الجديدة فأولئك هم"الطبقة الجديدة"فى المجتمع .. الطبقة الصاعدة .. الذين يلوون ألسنتهم برطانة المستعمر، ويفاخرون بها، ويحضنهم المستعمر من جانبه، ويؤدى عن طريقهم الدور المطلوب، البطئ الخطوات، الأكيد المفعول.
من هم أولئك الخريجون؟ ما ثقافتهم؟ ما وجهتهم؟ كيف نفذ بهم دنلوب أهدافه الصليبية التى انتدبه من أجلها كرومر، ومنحه من أجلها ما منحه من سلطان؟
فلننظر في المناهج التى وضعها دنلوب في مدارسه، ولنتخير من بينها أشدها خطرا وأبعدها أثرا: مناهج الدين، ومناهج التاريخ.
فأما اللغة العربية - لغة القرآن الذى يحترق قلب الصليبية حقدا عليه - فقد خطط دنلوب لقتلها والقضاء عليها.
فقد كان الراتب الذى يتقاضاه المدرسون من أصحاب المؤهلات العليا اثنى عشر جنيها إلا مدرس اللغة العربية وحده، يتقاضى أربعة جنيهات.
وكان لهذا الوضع انعكاساته ولا شك سواء في داخل المدرسة، أو في المجتمع على اتساعه. فأما في داخل المدرسة جميعا حتى ذوو المؤهلات المتوسطة، بل يتقدمه - في الراتب - فراش المدرسة أحيانا إذا كان ذا