فهرس الكتاب
أقدمية طويلة .. ومن ثم لم تعد له كلمة في المدرسة، فلا هو يستشار في شئونها، ولا هو يشارك في شئ من إدارتها، ولم يعد له كذلك عند التلاميذ احترام، ولولا العصا التى يحملها ويؤدب بها التلاميذ ما وقره أحد ولا عمل له حساب. بينما يحظى مدرس اللغة الإنجليزية بالذات بأكبر قدر من التوقير والاحترام.
أما في المجتمع الواسع فهو أشد ضياعا منه في المدرسة فالناس جميعا يعملون وضعه المالى، ويعلمون أنه في ذيل القافلة، وأن المدرسين الآخرين مقدمون عليه في الراتب وفى الاحترام سواء وإذا كانت العصا اللتى يحملها تخيف منه تلاميذه فيلتزمون بالأدب في درسه، فإن المجتمع في الخارج لا يخشى عصاه تلك، بل يتخذها مادة للتندر والهزء والاستخفاف، بينما العصا التى يحملها زميله مدرس اللغة الإنجليزية توفر له الاحترام داخل المدرسة، ولا تعيبه في المجتمع بشئ، إن لم توفر له المهابة والتقدير والتعظيم.
الناس من يلق خيرا قائلون له ... ما يشتهى ولأم المخطئ الهبل [1]
وهكذا ينحدر وضع مدرس اللغة العربية في المجتمع، بقدر ما ينحدر راتبه، ويصبح مادة دائمة للسخرية، يتحدث الناس عن جهله، وتخلفه، وضيق أفقه، وفقره، وانحطاط مستواه الاجتماعى والفكرى .. وأشد ما يعاب عليه، ويزدرى من أجله، أنه لا يعرف لغة أجنبية.
وحين يصبح مدرس اللغة العربية في هذا الوضع المهين الذى لا يبعث على الاحترام، فإن وضعه يؤثر حتما على المادة التى يدرسها .. وقد كان هذا هو الهدف المقصود من وراء ذلك التدبير الخبيث.
لقد انتقل الوضع المهين المزرى من الدرس إلى المادة،، وصارت اللغة العربية موضع الازدراء والتحقير والنفور .. فالطلاب يشكون من صعوبة اللغة العربية نحوا وصفا وبلاغة ونصوصا وأدبا .. وقد ظلوا يعايشونها ثلاثة عشر قرنا قبل ذل بلا شكوى. وكأنما اكتشفوا فجأة تلك الصعوبة التى تصرفهم عنها صرفا. وق بدءوا يوازن بينها وبين اللغات الأجنبية - وبالذات الإنجليزية - ليجدوا أن اللغات الأجنبية أيسر - وبالذات الإنجليزية - في كل شئ فهى لغت غير معربة، لا تحير القارئ بين الر فع والنصب والجر، ونحوها سهل، وهجاؤها سهل، وتراكيبها غير معقدة! [2] .
والخلاصة التى يصلون إليها أن العناية باللغة العربية غير واجبة، بل ربما كانت غير جائزة. بينما العناية باللغة الأجنبية - وبالذات الإنجليزية - واجبة كل الوجوب وأصبح الطالب الذى وجه هذا التوجيه وطبع
(1) البيت للمتنبي.
(2) يعلم دارسو اللغات الأجنبية"الحية"أن النحو والصرف في اللغة الفرنسية معقد أشد التعقيد, فتصرف الأفعال فيها يقع في ثلاث مجموعات علي ثلاث صور مختلفة, ثم في كل مجموعة شواذ بنتسبون إليها ولكن لا يصرفون مثلها! ولكل فعل - أيا تكن المجموعة التي ينتسب إليها - ستة تصريفات مختلفة تمثل صيغ الزمن المختلفة (لا ثلاثة فقط كما هو في اللغة العربية: الماضي والمضارع والأمر) كما أن الهجاء فيها معقد ومخالف للمنطوق, فضلًا عن التأنيث والتذكير علي غير منطقق واضح, أما اللغة الإنجليزيية فقد تكون أيسر من الفرنسية ظاهرًا, ولكن التراكيب الاصطلاحية فيها ( idioms) غير قياسية ولا بد من حفظ كل واحد منها علي حدة. وللأفعال فيها ست صيغ للزمن كما للفرنسية بدلًا من الثلاث الصيغ العربية. والهجاء غير قياسي, وبالذذات بالنسبة لمجموعة الحروف OUGH والتي ترد علي ستة أنحاء مختلفة في النق مثل: Enough Dough Thought Thorough Through.