فهرس الكتاب

الصفحة 191 من 436

ثم يدرس للتلاميذ عصر البعثة وصدر الإسلام بطريقة قد تكون وافية، وإن كان لا يركز فيها على جوهر الجاهلية الذى جاء الإسلام لإزالته، وجهور الإسلام الذى بعث الرسول - لبيانه للناس، ودعوتهم إليه، وتمكينه في الأرض بالجهاد.

ولكن الصورة المشرقة المتمثلة في عصر البعثة وصدر الإسلام تطمس فجأة وتخبو .. لأن الذى يدرس للتلاميذ بعد ذلك هو"التاريخ السياسى"للإسلام .. أو بالأحرى هو التاريخ الذى يغلب عليه الانحراف!!

حقيقة إن خط الانحراف واقع تاريخى، وخاصة في الجانب السيباسى من حياة المسلمين .. وأن هذا الانحراف بدأ مبكرا منذ العهد الأموى .. وأنه ارتكبت فيه فظائع من أجل الاستيلاء على الحكم أو استبقائه لا يرضى عنها الله ولا رسوله، ولا تليق بالمسلمين ..

ولكن التركيز على خط الانحراف وحده وإسقاط بقية الصورة هو تشويه متعمد للتاريخ الإسلامى لأمر يراد! [1]

فلو أن الصورة أعطيت كاملة كما هى في الحقيقة لأعطيت إيحاء آخر مختلفا كل الاختلاف [2] .

وقع الانحراف نعم - في الجانب السياسى خاصة - ولكن لم ينته الإسلام من الوجود! وبقى في الواقع التاريخى للإسلام جوانب كثيرة من الإسلام مطبقة في عالم الواقع، وبقيت فيه أمجاد كثير جديرة بالتسجيل، وجيرة باعتزاز المسلمين ..

ولكن الذى يراد من دراسة التاريخ الإسلامى في المنهج الدنلوبى ليس هو إثارة اعتزاز المسلمين بتاريخهم، بل هو على وجه التأكيد قتل هذا الاعتزاز!

ومن أجل هذا الهدف تخفى الصفحة البيضاء كلها، أو بالأحرى يخفى ما في صفحة التاريخ الإسلامى من بياض، ويبرز الخط الأسود وحده على أنه هو التاريخ!

يخفى نشر العقيدة الصحيحة في مساحة واسعة من الأرض تمتد من المحيط إلى المحيط، وإخراج الناس فيها من الظلمات إلى النور، وإجراء العدل الربانى المتمثل في تطبيق الشريعة الربانية، وتحقيق العدل خاصة بالنسبة لمن بقى على دينه في تلك الرقعة الواسعة من الأرض، مما لا مثيل له في التاريخ البشرى كله .. ويقدم هذا كله في عبارة موجزة مبهمة موهمة، وهى امتداد الفتوح الإسلامية! كأنما هى حركة توسع حربى لا هدف له إلا فسح الرقعة وبسط النفوذ!

(1) عرضت لهذه النقطة بشئ من التوسع في كتاب"المستشرقون والإسلام".

(2) عرضت لهذا النقطة أيضًا بشئ من التوسع في كتاب"كيف نكتب التاريخ الإسلامي".

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت