فهرس الكتاب

الصفحة 192 من 436

ويخفى بقاء المجتمع الإسلامى في عمومه فترة طويلة من الزمن نظيفا من الفاحشة، آمنا على أنسابه، وحيثما كانت الدولة قوية مبسوطة السلطان فهو آمن أيضا على دمائه وأمواله في ظل شريعة الله.

وتخفى الحركة العلمية الإسلامية الهائلة التى نشرت نورها في الأرض، وتعلمت منها أوربا حين بدأت نهضتها الحديثة نتيجة احتكاكها بالمسلمين في أكثر من أرض وأكثر من مجال.

وتخفى الحركة الحضارية الإسلامية الضخمة بشقيها، المعنوى المتعلق بالقيم الإنسانية العليا، والمادى المتعلق بالعمارة المادية للأرض والأشكال التنظيمية للحياة.

كما يخفى بطبيعة الحال تفرد كلتا الحركتين بميزتها الإسلامية الخاصة - المستمدة من المنهج الإسلامى - وهى فسح المجال للنشاط البشرى في جميع مجالاته الحيوية، مع الالتزام بالمنهج الربانى الذى يجمع الروح والمادة، ويجمع الدنيا والآخرة كلها في نظام.

وحين يخفى هذا كله فماذا يبقى؟!

يبقى إيحاءات خبيثان، مقصودان:

أولهما: أن الإسلام لم يحكم إلا فترة قصيرة حدا في عهد الخلفاء الراشدين ثم انتهى إلى غير رجعة.

والثانى: أن التاريخ الإسلامى - بعد صدور الإسلام - خال من كل القيم التى تقيم الحياة الإنسانية الصحيحة، وأنه عبارة عن عمليات دموية من أجل السلطان!

وبعد أن يفرع التاريخ الإسلامى من محتواه الحقيقى على هذا النحو يوجه التلاميذ إلى أوربا!

أوربا هى العلم! أوربا هى الحضارة! أوربا هى القيم! أوربا هى الديمقراطية! أوربا هى خقوق الإنسان! أوربا هى التقدم الصناعى! أوربا هى الصورة الصحيحة للوجود البشرى في جميع المجالات!

ويخفى - عمدا - فظائع الاستعمار الوحشية في كل مكان دنسته أقدام المستعمرين، وخاصة في العالم الإسلامى. وتخفى - عمدا - البواعث الصليبية للتحرك الأوربى نحو العالم الإسلامى. ويخفى - عمدا - الفساد الخلقى الآخذ في الانتشار - يومئذ - في أوربا. ويخفى عمدا- غلبة الروح المادية على تلك الحضارة وانطماس الروح.

وهكذا يقدم التاريخ - الإسلامى والأوربى - كاذيا من شقيه كليهما وإن احتوى جانبا من الحق!

ففى التاريخ الإسلامى يقدم الخط الأسود من الصفحة بتركيز فائق، ويخفى ما في بقية الصفحة من البياض، وفى التاريخ الأوربى يقدم الخط الأبيض من الصفحة بتركيز فائق ويخفى ما في بقية الصفحة من السواد!

وحين يقدم التاريخ بصورته الكاذبة هذه من شقيها فماذا تكون النتيجة؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت