فهرس الكتاب
ومع ذلك فإذا أغضينا عن الأخبار وطريقة تقديمها، لا نستطيع أن نغضى عن الذكر الدائم لأوربا في تلك الصحافة، فإنه - فيها - بيت القصيد ?
إن أوربا لا تذكر في هذه الصحافة بحجمها الحقيقى - وهو يومئذ في ذاته كبير - ولكن يزاد عليها ويضاف إليها حتى يلقى في روع القارئ أن أوربا هى العالم، وألا وجود لشئ غير أوربا في هذا الوجود.
وحقيقة أن أوربا كانت يومئذ غالبة ومسيطرة .. ولكنها كانت مسيطرة على عوج عظيم في منهج حياتها كله.
فهل كانت تلك الصحافة تكتب عن بشاعة الاستعمار وبشاعة الجرائم التى يرتكبها ضد البلاد المحتلة ومعظمها بلاد إسلامية؟
وهل كانت تكتب عن الدوافع الصليبية للاستعمار في البلاد الإسلامية، من وراء"المصالح الاقتصادية والمصالح السياسية، وما شابهها من المصالح؟"
وهل كانت تكتب عن الغزو الفكرى وأهدافه الخفية التى يراد منها صرف الأمة عن دينها؟ [1]
وهل كانت تكتب عن الفساد الخلقى في أوربا، وما يجره على الناس من آثار سيئة في حياتهم؟
وهل كانت تكتب عن الربا، وكيف يحدث الظلم الاقتصادى والاجتماعى من إجارة المال بطريق الربا؟ [2]
وهل كانت تكتب عن المؤامرة الأوربية - الصليبية اليهودية - للقضاء على الخلافة العثمانية؟
إن الصحيفة الإسلامية في الوطن المسلم لم تكن لتغفل الحقيقة الواقعة أو تتجاهلها، لم تكن لتغفل أن أوربا هى المتحكمة في شئون العالم، وأنها هى القوة المتمكنة في كل اتجاه، سواء في المجال السياسى أو الاقتصادى أو الحربى أو العلمى أو التكنولوجى. ولكنها - حين تكون إسلامية - لابد أولا أن تقل موقف الناقد من انحرافات أوربا حيث توجد انحرافات .. وهو موجودة بوفرة في الحياة الأوربية [3] . ولابد ثانيا أن تنهض همم المسلمين ليتداركوا تخلفهم، ليستردوا ما فقدوه من التمكن في الأرض مرشدة لهم إلى الطريق السوى لتدارك التخلف، وهو أن يأخذوا من أوربا ما هم في حاجة إليه من تقدم علمى ومادى، مع المحافظة على دينهم وأخلاقهم وتقاليدهم، وعدم الذوبان في أوربا، وعدم تقليدها فيما يخالف عقيدة الإسلام وشريعته وروحه.
وهذا هو مفرق الطريق بين الصحافة الإسلامية والصحافة غير الإسلامية.
(1) لم يكن ذلك ممكنًا بطبيعة الحال وهذه الصحافة ذاتها جزء من الغزو والفكري.
(2) كانت تكتب عن الربا لتطلبب إباحته علي أنه ضرورة اقتصادية"!."
(3) انظر إن شئت"جاهلية القرن العشرين".