فهرس الكتاب
كان الله يعلم الخير الذى ينطوى عليه صلح الحديبية بالنسبة للمسلمين ولكنهم ببصرهم البشرى المحدود المحجوب عن الغيب لم يكونوا يرون فيه إلا الغبن الظاهر وفى ذلك أنزل الله سبحانه وتعالى:
{لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا (27) } [سورة الفتح 48/ 27] .
وبينما الاتفاقية غضة ما تزال خرج أبو جندل من صفوف المشركين مغللا بالأغلال يريد اللحاق بالرسول - والمؤمنين فزادت رؤيته على هذه الحال من حزن المسلمين وشعورهم بالغبن وتقدم عمر يريد أن يلقى السيف إليه ليقاتل به ويفك نفسه من الأسر والرسول - يأبى ويتمسك بالعهد المبرم بينه وبين المشركين وقلوب المسلمين تتقطع أسى وهم يرون هذا المنظر البئيس.
ولكنه كان درسا عمليا في التربية على الوفاء بالعهد ..
إن العهد الذى يبرمه المسلم هو هو عهد معقود باسم الله. إنه جزء من"الميثاق"الذى يلتزم به المؤمن تجاه ربه. إنه ليس أمرا تتدخل فيه"المصلحة"القريبة أو البعيدة الظاهرة أو الخفية فيلتزم إذا بدت المصلحة في التزامه وينقض إذا بدت المصلحة في غيره! إن هذا هو ديدن الجاهليات فيما تبرمه من المواثيق. تبرمه وهو لا تعتزم الوفاء به إلا ريثما تجد الوسيلة لنقضه. وفى اللحظة التى تبدو لها المصلحة في نقضه فإنه حبر على ورق ولا أكثر! (وجاهلية القرن العشرين أبرز مثال على ذلك في مواثيقها الدولية. ما أسهل ما تبرم الميثاق وما أسهل ما تنقضه في لحظات!) أما المؤمنون الذين يوفون بعهد الله ولا ينقضون الميثاق فهم وحدهم الذين لا تحركه المصلحة إنما يحركهم الحرص على مرضاة الله.
يقول الله وهو يوجده رسوله - والأمة المسلمة من ورائه:
{وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ} [سورة الأنفال 8/ 58] .
وهذه من أخلاقيات لا إله إلا الله في المواثيق حتى مع الكافرين الذين يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة والذين تتوقع منهم الخيانة في أى لحظة من اللحظات. ينبذ إليهم عهدهم أولا ثم يقاتلون بعد ذلك ولكن لا يغدر بهم والميثاق قائم ...
ووعت الأمة الإسلامية التوجيه الربانى وطبقته في عالم الواقع فكانت منه في حياتهم أعاجيب.
فحين فتح أبو عبيدة بن الجراح الشام وأخذ الجزية من أهلها الذين كانوا يومئذ ما يزالون على دينهم اشترطوا عليه أن يحميهم من الروم الذين كانوا يسومونهم الخسف والاضطهاد وقبل أبو عبيدة الشرط.