فهرس الكتاب

الصفحة 75 من 436

ولكن هرقل أعد جيشا عظيما لاسترداد الشام من المسلمين وبلغت الأنباء أبا عبيدة فرد الجزية إلى الناس وقال لهم: لقد سمعتم بتجهيز هرقل لنا وقد اشترطتم علينا أن نحميكم وإنا لا نقدر على ذلك ونحن لكم على الشرط إن نصرنا الله عليهم!

هل سمع أحد بمثل ذلك في التاريخ؟!

قائد جيش فاتح منتصر يأخذ جزية من أهل البلاد المفتوحة ثم يردها إليهم بأى حال من الأحوال؟!

هذا هو التاريخ مفتوحة صفحاته لمن يريد أن ينقب.

إنه حادث فريد في التاريخ.

ولم يكن أبو عبيده يصنع ذلك رجاء"مصلحة"بعيدة يقدرها ويضحى في سبيلها بالمصلحة القريبة! كلا! فما كان عنده يقين بأن ينتصر على جيش هرقل الجرار وتعبيره واضح: وإنا لا نقدر على ذلك!

إنما ينطلق من المبدأ الذى رباهم عليه الإسلام على يد رسول الله: الوفاء بالمواثيق سواء أكانت الصفقة رابحة في النظرة رابحة في النظرة القريبة أم خاسرة:

{وَلا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثًا تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ ... } [سورة النحل 16/ 92] .

ولقد كان لهذا الخلق الإسلامى الذى التزم به أبو عبيدة أثره الذى قدره الله له فقد نصره الله على جيش هرقل فراح الناس يعيدون الجزية راضية قلوبهم ثم - من بعد - صاروا يدخلون في دين الله أفواجا إعجابا بهذا الدين الذى يخرج من هو على هذا الخلق العظيم!

وعمر رضى الله عنه يقول لقائده في حرب فارس: وإذا لاعب أحدكم أحد العلوج فظن هذا أن المسلم يعطيه عهد أمان فأنفذه له!

يا لله! ويا لروعة المرتقى!

إنه لا عهد في الحقيقة! ولكنه مجرد توهم من جانب الفارسى أن الجندى المسلم قد أعطاه عهد أمان! فيقول عمر لقائده: فأنفذه له!

إنه ليس فقط إنفاذ العهد الذي لم يصدر في الواقع من الجندي, ولكنه كذلك إلزام القائد بعهد توهم العدو أن واحدا من جنود المسلمين قد أعطاه!.

هل سمع أحد بمثل ذلك في التاريخ؟!

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت