فهرس الكتاب
الإنشاء يبذل في التأسيس والتمكين. كما تحتاجان إلى زمن يمضى بعد استكمال التكوين تتم فيه عملية"التمثيل"للقيم والمبادئ والأفكار لتتجه بعد ذلك إلى"الإنتاج"فى مجالات العلم والحضارة المادية. ولكن"البذرة"التى تتولد عنها كل من الحركتين تنشأ في الحقيقة من نقطة الابتداء وتظل كامنة حتى تستوفى نضجها الطبيعى فتولد كما يولد الجنين المكتمل الأعضاء بعد أن يستكمل أطواره في خفية عن العيون.
فالجيل الأول - وإن لم يشارك في هاتين السمتين بنفسه - كان في الحقيقة هو"الأب الروحى"لهما إن صح التعبير من حيث إنه هو الذى قام بالإنطلاقة الهائلة التى كتبت سطور التاريخ الظافر فيما بعد ومن حيث إنه هو الذى حقق في ذات نفسه صحة المنطلق ولكل من هذين الأمرين أثره في إبراز الحركة العلمية الإسلامية والحركة الحضارية الإسلامية.
فأما الانطلاقة فهى قمينة ? في حياة أى أمة ? أن تحدث فيها حركة علمية وحركة حضارية لأن ذلك مركوز في فطرة البشر ولأن ذلك من جهة أخرى من العطاء الربانى المبذول للبشر جميعا بقدر ما يبذلون فيه من جهد:
{كُلاًّ نُمِدُّ هَؤُلاء وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا (20) } [سورة الإسراء 17/ 20] .
{مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ (15) } [سورة هود 11/ 15]
أما تصحيح المنطلق فمن شأنه أن ينشئ الحركة العلمية الصحيحة والحركة الحضارية الصحيحة التى تتميز تميزا واضحا عن غيرها من الحركات.
وهذا ما نعنيه هنا ونبدأ فيه بالحديث عن الحركة العلمية الإسلامية.
لم يكن العرب في جاهليتهم أمة علمية .. وذلك ثابت من التاريخ.
لقد كان لهم رحلات يصلون فيها إلى مراكز حضارية في الشمال والجنوب كما كانت لهم احتكاكات بدولتى فارس والروم ولكل منهما في ذلك الحين علوم ومعارف ولكن العرب لم يشغلوا أنفسهم بتحصيل شئ من تلك المعارف العلمية لأنهم كانوا يعيشون على هامش الدنيا وهامش التاريخ مشغولين بثاراتهم ونزاعاتهم وفخرهم وهجائهم وعلى الأكثر بتجاراتهم ولهوهم وشرابهم.