فهرس الكتاب
لآيات للعالمين .. الخف هذا التفكر والتبصر والتدبر يسرى بطبيعته حتى يشمل محاولة التعرف على"سر"هذه الآيات الكونية وسر الصنعة الربانية الكامنة فيها. وتلك هى النقطة التى يبدأ منها"العلم". وبدأ منها المسلمون بالفعل توجههم لطلب العلم.
ولما لم يكن عند العرب رصيد علمى سابق لانشغالهم - كما أسلفنا - بأمور أخرى فقد أحس المسلمون بالحاجة إلى الاطلاع على ما كان عند غيرهم من الأمم من العلوم وهو إحساس لم يشعروا به من قبل أيام جاهليتهم ولم يتجهوا إليه ولما كانت لغة العلم الغالبة يومئذ هى الإغريقية واللاتينية فقد اتجه المسلمون إلى تعلم هاتين اللغتين حتى يستطيعوا نقل العلم إلى اللسان العربى ومن هذه النقطة بدأوا حركتهم العلمية.
ترجموا كل ما كان معروفا من العلم يومئذ وعكفوا على دراسته متتلمذين عليه كما هو الأمر الطبيعى في مثل هذه الأحوال وإن كانوا سرعان ما اكتسبوا الحاسة العلمية لأنفسهم وأخذوا يصححون بعض الأخطاء التى كان العلم الإغريقى يحتوى عليها.
ولكن والتوجيهات القرآنية لم تحو فقط تلك الإشارات الكونية وذلك التوجيه للنظر في هذه الآيات والتفكر فيها إنما حوت أهم من ذلك: منهج البحث.
لقد كان العلم لدى الإغريق نظريا فلسفيا تجريديا. يبحث عن النظرية ويفلسفها ويكفى بعرضها على"العقل"فإن أقرها - بصورة من الصور - فهى صحيحة بصرف النظر عن وجودها الواقعى أو صحتها الواقعية.
ولكن توجيهات القرآن كانت في اتجاه آخر.
إنها توجه إلى الجانب العملى والجانب النافع من العلم لا إلى الجانب النظرى التجريدى:
{يَسْأَلُونَكَ عَنْ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ} [سورة البقرة 2/ 189] .
{وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا (12) } [سورة الإسراء 17/ 12] .
{وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنْ اتَّخِذِي مِنْ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنْ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ (68) ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (69) } [سورة النحل 16/ 68 - 69]