فهرس الكتاب
ومن هنا بدأ المسلمون يحولون اتجاه البحث العلمى من المجال النظرى الفلسفى التجريدى إلى المجال العلمى التجريبى وكانت هذه نقلة هائلة في منهج البحث هى التى أهلت البحث العلمى للآفاق الواسعة التى وصل إليها في القرون الأخيرة.
والمسلمون هم الذين أسسوا المنهج التجريبى في البحث العلمى.
تلك حقيقة يقر بها الذين أخذوا عن المسلمين هذا المنهج, فقفزوا به قفزات واسعة في العصر الحديث.
يقول بريفولت في كتابه"بناء الإنسانية"" Humanity of Making":"
"إن ما يدين به علمنا للعرب ليس فيما قدموه إلينا من كشوف مدهشة لنظريات مبتكرة. بل يدين لهم بوجوده نفسه. فالعالم القديم - كما رأينا - لم يكن للعلم فيه وجود .. وقد نظم اليونان المذاهب وعمموا الأحكام ووضعوا النظريات. ولكن أساليب البحث في دأب وأناة وجمع المعلومات الإيجابية وتركيزها والمناهج التفصيلية للعلم والملاحظة الدقيقة المستمرة والبحث التجريبى كل ذلك كان غريبا تماما عن المزاج اليونانى .. أما ما ندعوه"العلم"فقد ظهر في أوربا نتيجة لروح من البحث جديدة ولطرق من الاستقصاء مستحدثة .. وهذه الروح وتلك المناهج أوصلها العرب إلى العالم الأوربى" [1] .
ولكن الذى صنعه المسلمون في حركتهم العلمية لا يقف عند حد تصحيح الأخطاء التى وجدوها عند الإغريق ولا ابتداع علوم جديدة كعلم الجبر ولا اكتشاف كثير من خواص المادة مما أدى إلى تقدم كبير في علم الفيزياء وعلم الكيمياء ولا اكتشاف الدور الدموية ولا ما ابتدعته عبقرية الحسن بن الهيثم في علم الضوء .. ولا يقف كذلك عند منح البشرية سبيل التقدم العلمى الصحيح وهو المنهج التجريبى الذى ما كان للعلم أن يتقدم تقدما حقيقيا بدونه .. إنما كان هناك ما هو أهم من ذلك.
لقد حوى القرآن منهجا كاملا للحياة يشمل جزئيات الحياة جميعا بما فيها"العلم"ثم يضع كل جزئية في مكانها الصحيح. وهذا الأمر بالذات هو أهم ما قدمته الحركة العلمية الإسلامية وتبدو قيمته خاصة إذا نظرنا إلى الحركة العلمية التى تقدمها الجاهلية المعاصرة في الوقت الحاضر.
إن الإنسان في حقيقته كل متكامل لا يمكن فصل جزء منه عن بقية أجزائه. وحين ينفصل منه جزء عن بقية الأجزاء أو حين يحاول الناس فصل جزء منه عن بقية الأجزاء يحدث الخلل في الكل المتكامل لأن الارتباط لا يفصم في الحقيقة وإنما يعتل وإذا اعتل حدث الخلل لا محالة.
والمنهج الربانى يأخذ الإنسان على حقيقته, كلاَّ متكاملا لا أجزاء ولا تفاريق ولا عجب في ذلك فهو منزل من عند فاطر هذه الفطرة العليم بها وبكل منسرباتها:
(1) عن كتاب"تجديد التفكير الديني في الإسلام"لمحمد إقبال ترجمة الأستاذ عباس محمود ص: 150.