فهرس الكتاب

الصفحة 86 من 436

وليست موانع الحمل وحدها هى التى استخدم فيها العلم لإفساد الأخلاق فالسينما والإذاعة والتلفزيون والفيديو وما يمكن أن يجد من هذه الأشياء كلها أدوات كان يمكن أن تستخدم في ترشيد البشرية وتوجيهها الوجهة الصالحة ولكنها تستخدم اليوم للإفساد المتعمد الذى تجاوز في كثير من الأحيان دائرة الإفساد الخلقى بمعناه الإصطلاحى إلى إفساد الفطرة الإنسانية ذاتها بإشاعة التفاهة والضحالة والسطحية والجزئية وشغل النفس عن معالى الأمور وتوجيهها إلى سفاسفها.

وينتج من ذلك ثالثا: أن العلم لا يكون وسيلة للشر.

فما دام الإنسان كله في المنهج الإسلامى موجها إلى عمل الخير ومراقبة الله في كل أعماله والتوجه بكل ذرة من نشاطه إلى الله:

{قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَاي وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (162) لا شَرِيكَ لَهُ} [سورة الأنعام 6/ 162 - 163] .

ما دام الأمر كذلك والعلم جزء من نشاط الإنسان فهناك حاجز عقدى وأخلاقى يمنع من استخدام ثمار العلم في الشر.

والجاهلية المعاصرة التى بلغت أبعد مدى وصل إليه الإنسان في التقدم العلمى هى التى تستخدم الطاقة النووية في إحداث ألوان من الشر يعجز الإنسان عن تصورها.

إن قنبلتى هيروشيما ونجازاكى اللتين ألقيتا من أربعين سنة في اليابان (هذا العام 1406 هـ 1986 م) قد محت كل منهما آثار الحياة كلها من نبات وحيوان وإنسان في دائرة واسعة حول المكان الذى ألقيت فيه وإلى مدى في الزمن القادم لا يعلمه إلا الله ثم إن الإشعاع الذرى الناتج عنها ما يزال إلى هذه اللحظة ينتج أجنة مشوهة في دائرة أوسع بينما تعتبر هذه القنبلة بالقياس إلى قوى التدمير الحديثة كمسدس الأطفال بالنسبة للمدفع الثقيل!

وذلك كله بغير ضرورة حقيقية! فمازال في مكنة الأسلحة التى يسمونها"تقليدية"أن تفتك بعشرات الألوف بل بالملايين وفى مكنتها أن تقرر النصر لمن يملكها ويحسن استخدامها وذلك بصرف النظر عن الأهداف التى تدور حولها الحروب في الجاهلية المعاصرة!

وقد أدى سباق التسلح في الميدان النووى إلى إنفاق مقادير من الأموال كانت كفيلة برفع الفاقة والعوز عن البشرية كلها وتوفير وسائل الحياة الكريمة لمجموعات ضخمة من البشر تعيش أدنى من درجة الآدمية بكثير! ومع ذلك لا يتوقف السباق المسعور ولا يشبع! ولا يصل إلى نتيجة حاسمة كذلك!

كلا! إن المزية الكبرى للحركة العلمية الإسلامية - التى تجعلها في الوقت ذاته سمة من سمات هذه الأمة - أنها جزء من هذا الدين بشموله وتوازنه وترابطه لا يشذ عنه ولا ينفصل منه.

لقد نمت الحركة العلمية الإسلامية في ظل العقيدة الصحيحة فلم يحدث قط بينها وبينها صراع لا على المستوى النظرى ولا على الصعيد العلمى.

ليس في حقائق الدين ما يعارض العلم الصحيح وليس في العلم الصحيح ما يعارض ما جاء في هذا الدين. ولا يحتاج المسلم أن ينحى عقيدته جانبا أو ينسلخ منها لكى يتعلم كما لا يحتاج أن ينبذ العلم ولا ثمار المعرفة العلمية لكى يحافظ على دينه. إنما يتعلم ويعبد الله حق عبادته في ذات الوقت بل يجد دينه هو الذى يدفعه دفعا إلى العلم:"طلب العلم فريضة" [1] ويجد دينه يطريه حين يصبح"عالما"بالمعنى الصحيح للعلم الذى يربط علم الدنيا بعلم الآخرة فيقول الله سبحانه وتعالى:

{إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ} [سورة فاطر 35/ 28] .

فيصبح بذلك من"أولى الألباب"لأنهم هو الذين يتصفون بخشية الله:

{إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الأَلْبَابِ (19) الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلا يَنقُضُونَ الْمِيثَاقَ (20) وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ (21) } [سورة الرعد 13/ 19 - 21]

كذلك لم يحدث في التاريخ الإسلامى ذلك الصراع البغيض الذى حدث في ظل الكنيسة الأوربية بين الدين والعلم لأنه لا حاجة ولا مبرر لذلك الصراع. بل أن الرجل يكون عالما بالشريعة وعالما بالطلب أو الفلك أو الفيزياء أو الكيمياء لا يجد من ذلك صراعا في نفسه ولا يجد اضطهادا من الدولة ولا من أحد من الناس.

ومما يستوقف النظر ولا شك أن يجد الإنسان الحسن بن الهيثم يكتب في موضوع علمى يعتبر جافا أشد الجفاف وهو علم"البصريات"فيبدأ حديثه باسم الله ويحمده ويثنى عليه بما هو أهله ويستمد منه التوفيق [2] بينما نجد دارون يكتب في موضوع من طبيعته أن يثير الوجدان البشرى ويبعث القلب الشرى خاشعا لله وهو علم الحياة وخروج الحى من الميت وتنوع الكائنات الحية .. فلا يذكر اسم الله مرة

(1) سبقت الإشارة إليه.

(2) ظلت نظريات ابن الهيثم تدرس في أوربا حتي القرن التاسع عشر لبراعته العليمة وأصالة نظرياته.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت