فهرس الكتاب
الإنسان أو يعتقده أو يتحاكم به أو يتحاكم إليه ولكنه في المصطلح الإسلامى ذلك الدين المحدد المنزل من عند الله.
والحضارة كذلك. هى في اللغة فعل أهل الحضر. ولكها في المصطلح الإسلامى هى عمارة الأرض بمقتضى المنهج الربانى فيدخل في ذلك الجوانب المادية والتنظيمية وتدخل فيه القيم التى يحملها هذا الدين غير منفصلة هذه عن تلك. أى أنها تشمل الأمرين اللذين فرقت بينهما الجاهلية المعاصرة فسمت أحدهما ثقافة Culture وخصته بالقيم والأفكار والمعتقدات وسمت الآخر حضارة Civilization وخصته بالجانب المادى والتنظيمي.
والجاهلية المعاصرة إذ تفعل ذلك تحدث تفرقة لا وجود لها في عالم الواقع. فليست عمارة مادية أو تنظيمية غير مرتبطة بقيم معينة في حياة الناس متأثرة بها ومؤثرة فيها. كذلك فإن القيم لا تعيش في فراغ إنما تعيش وتبرز في كيان مادى وتنظيمى. فالتفرقة بين الأمرين تفرقة نظرية أكثر منها واقعية وإنما تستسيغها تلك الجاهلية لأنها درجت على التفرقة بين النظرية والتطبيق فوضعت الصورة المثالية في النظرية وتركت التطبيق يمثل الواقع ولم تر حرجا في أن يخالف التطبيق النظرية ويبتعد عنه!
ولسنا ملزمين بمجاراة الجاهلية الأوروبية في مصطلحاتها.
إنما نقول إن"الحضارة"هى الجانب المعنوى الذى يحمل القيم والجانب المادى والتنظيمى على حد سواء. ونقول إن هناك"حضارة إسلامية"ذات قيم ثابتة وأشكال مادية وتنظيمية نامية ومتغيرة على الدوام. والمفروض في الحالة السوية أن يظل الارتباط قائما بين تلك القيم وهذه الأشكال المتغيرة ليصح تسميتها"حضارة إسلامية"فإذا تغيرت القيم وابتعدت عن روح الإسلام لم تعد تصلح أن تسمى بهذا الاسم إنما هى حضارة جاهلية إذا قبلنا الإصطلاح بمعنى عمارة مادية وتنظيمية غير قائمة على المنهج الربانى وفى جميع الأحوال لا تنفصل الأشكال المادية والتنظيمية عن القيم المصاحبة لها ويكون تقويم الحضارة بالأمرين معا لا بالجانب المادى والتنظيمى وحده. بل يكون تقويمها بمقياس القيم هو المقدم وهو المعتبر لسبب واقعى بسيط هو أن الإنسان يستطيع أن يعيش وإن يمارس كيانه"الإنسان"على المستوى الأعلى بأقل قدر من الأشكال المادية والتنظيمية ولكنه لا يستطيع أن يعيش ولا أن يمارس كيانه الإنسانى على أى مستوى كان يغير قيم ومبادئى مهما يكن عنده من أدوات التقدم المادى والتنظيمى.
ومقارنة سريعة بين جيل الصحابة رضوان الله عليهم والأجيال التى تعيش اليوم في الجاهلية الأوروبية المعاصرة تحسم الكلام في هذه النقطة. فأيهما هو"الإنسان"فى أعلى صورة؟ أيهما الذى يعيش بمشاعر