فهرس الكتاب
بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (15) الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (16) الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالأَسْحَارِ (17) [سورة آل 3/ 14 - 17]
فأما إذا جنح الإنسان بأحد جانبيه على حساب الآخر فهنا يحدث الخلل في حياته سواء جنح إلى الجانب الروحى وأهمل المادى كما تصنع الرهبانية والهندوكية والبوذية أو جنح إلى الجانب المادى وأهمل الروح كما تصنع الجاهلية المعاصرة.
إنما يسعى الإسلامى لإشباع الجوانب كلها فينتج من ذلك الإنسان السوى الذى يحقق التوازن على المستوى الرفيع.
لذلك كان قيام الجانب المادى والتنظيمى من الحضارة - بعد استكمال الجانب المعنوى القائم عى القيم العليا والمبادئ السامية - أمرا طبيعيا في حياة المجتمع المسلم وعلامة صحية كذلك.
ولئن كان هذا الأمر قد استغرق فترة من الوقت فقد كان ذلك طبيعيا بالنسبة لخلو الحياة العربية السابقة من كثير من أشكال الحضارة المادية والتنظيمية وعدم شعورها بالحاجة إلى تغيير واقعها الذى تعيشه بكل تفصيلاته.
فلما جاء الإسلام تغيرت النفوس من داخلها وانبعث الفطرة تعمل بكيانها المتكامل في كل اتجاه. وكان الجانب المادى والتنظيمى من الجوانب التى نشطت بتأثير الميلاد الجديد والدفعة الحيوية الهائلة التى أطلقها الإسلامى في الكيان الجديد.
وكما قلنا من قبل في شأن الحركة العلمية نقول الآن بشأن الجانب المادى والتنظيمى من الحضارة فلقد كان هذا في حاجة إلى ذات العوامل التى كانت مطلوبة لنشأة الحركة العلمية والتى كانت مفقودة أو ناقصة في الحياة العربية قبل الإسلام.
كان في حاجة إلى تجمع واستقرار وأمن وطمأنينة. وكان في حاجة إلى دفعة حيوية هائلة تعوض الإنصراف السابق عن هذا المجال. وقد أعطى الإسلام ذلك كله فقامت الحضارة بجانبها المادى والتنظيمى بعد أن كانت قد قامت بقيمها ومبادئها من قبل.
وكما تتلمذ المسلمون على الإغريق لبدء الحركة العلمية فقد تتلمذوا على فارس وبيزنطة لبدء الجانب المادى والتنظيمى من الحضارة ريثما يكتسبون حاستهم الخاصة كما اكتسبوا حاستهم الخاصة في المجال العلمى.
لما كثر الجند قيل لعمر رضى الله عنه: لولا دونت دواوين! فاشتهى عمر ذلك!