فهرس الكتاب
كان هذا عملا تنظيميا أحست الدولة الناشئة الحاجة إليه فأخذته من جيرانها بلا تردد (وكلمة ديوان فارسية كما هو معروف) كما أخذت غيره مما كانت محتاجة إليه.
ورويدا رويدا اكتسب المجتمع الجديد حاسته الخاصة فاستغنى عن الاقتباس وكان له مشاركته الخاصة - والهائلة - في هذا المجال وفى غيره من المجالات كعمارة المدن والبيوت ومد الطرق وتنظيم"الخدمات"العامة.
وهناك شئ تجدر الإشارة إليه بصدد أخذ الأجيال الأولى من هذه الأمة عن الإغريق والرومان الفرس ما لزمهم سواء في المجال العلمى أو المجال المادى والتنظيمى حتى صارت لهم حاستهم الخاصة التى استغنوا بها عن النقل ثم أصبحوا فيما بعد أساتذة في جميع تلك الميادين وصارت أوربا تتلمذ عليهم في جميع الميادين.
لقد كانوا يأخذون ا يأخذون وهم في موقف العزة والاستعلاء:
{وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمْ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (139) } [سورة آل 3/ 139]
{وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ} [سورة المنافقون 63/ 8]
كان ملء نفوسهم الاستعلاء بالإيمان والاعتزاز به فلم يشعروا - وهم ينقلون عن الإغريق والرومان والفرس - أنهم أقل منهم ولم يشعروا بالضآلة أمامهم أو بالذلة لهم لأنهم في حاجة إليهم بل شعروا أنهم هم الأعلون وإن كانوا في حاجة إلى غيرهم لأنهم مؤمنون وغيرهم ليسوا مؤمنين. ومن أجل ذلك لم يفتنوا ولم ينبهروا بما عند الجاهليات من حولهم, فأخذوا ما أخذوا في عزة وأخذوا ما رأوه نافعا لهم ولم يأخذوا ما رأوه مخالفا لدينهم وعقيدتهم [1] لأن موقف الاستعلاء يتيح لهم أن يتخيروا وينتقوا بينما موقف الضعيف والاستخذاء والانبهار لا يتيح لصاحبه الفرصة للاختيار ولا القدرة على الاختيار فيأخذ الغث والثمين لا يتيح لصاحبه الفرصة للاختيار ولا القدرة على الاختيار فيأخذ الغث والثمين ويأخذ من الغث أكثر مما يأخذ من الثمين لأنه أيسر أخذا وأقل تكاليف!
لذلك لا نعجب إذا رأينا المسلمين الأوائل رغم تمكنهم من الإغريقية إلى الحد الذى ترجموا به كثيرا من مؤلفاتهم لم يترجموا الأساطير الإغريقية ولم يعنوا بها أى عناية بل رأوها شركا وخرفاة لا تستحق النقل ولا تستحق الاعتبار! [2]
كذلك كان شأنهم في الجانب المادى والتنظيمى .. أخذوا ما وحدوا أنفسهم في حاجة إليه دون أن يأخذوا ما كان مشتبكا به عند أصحابه من شرك وخرافة ووثنية وانحراف في الأفكار أو انحراف في السلوك.
(1) انخدع المسلمون في الفسلفة فظنوها نافعة لهم فنقلوها, وكان ذلك خطأ غير مقصود كما سيجئ.
(2) انظر في المقابل قول طه حسين في عصر الانبهار: من لم يقرأ الأساطير الإغريقية فلن يستطيع أن يكون أديبًا.