فهرس الكتاب
ثم إن الذى أخذوه - وكله في مجال الأدوات ولا في مجال الأس والمناهج - طوعوه سريعا لمنهجهم الخاص في الحياة فأصبحوا أصلاء فيه لا مقلدين [1] .
إن الإصالة أمر له أهميته البالغة في وقت النقل عن الغير بصفة خاصة. فالأصالة لا تمنع الاستفادة من ثمار العلم وثمار الحضارة المادية - التى هى في نهاية جهد بشرى مشترك تتداوله الأمم وتتداوله الأجيال - ولكنها تمنع الذوبان وفقدان الشخصية بتأثير النقل.
وأوثق أسباب الأصالة أن يكون الإنسان صاحب عقيدة وصاحب منهج خاص في الحياة. وقمة ذلك أن يكون الإنسان مسلما لأنه يكون عندئذ صاحب العقيدة الصحيحة ومنهج الحياة الصحيح. فإذا كان مسلما على النحو الذى كانت عليه الأجيال الأولى فقد تحققت له الأصالة في أعلى قممها لا التى تمنع الذوبان وفقدان الشخصية بتأثير النقل فحسب بل التى سرعان ما تكتسب الحاسة الخاصة وتنتقل في فترت وجيزة من الزمن من التتلمذ إلى التمكن إلى الأستاذية.
وذلك ما كان من شأن الأمة الإسلامية - في أجيالها الأولى - في جميع الميادين التى احتاجت فيها إلى الاقتباس من غيرها كالمجال العلمى والمجال المادى والتنظيمى فما مر ما بين تتلمذها على أوربا وأستاذيتها على أوربا إلا أجيال قليلة كأنها برهات في عمر الزمان.
على أن الذى يهمنا أكثر في هذا البحث ليس هو ما بلغته الحضارة الإسلامية في جانبها المادى والتنظيمى من روعة - مع الأصالة والتمكن - إنما هو ما تفردت به بين الحضارات مما يدخلها في سمات الأمة المسلمة.
إن هناك ارتباط وثيقا في كل حضارة من حضارات التاريخ ما بين إنتاجها المادى والعمرانى والتنظيمى وبين مفهومها للحياة الإنسانية وأهدافها.
وهناك بالطبع أشياء كثيرة مشتركة بين الحضارات جميعها سببها اشتراك بنى الإنسان جميعا في نزعات معينة أو حاجات معينة كالملبس والمسكن والمطعم وأدوات القتال .. إلى غير ذلك.
ولكن العبرة ليست بتلك الجوانب التى تكاد تدخل في باب الضرورات إنما العبرة بالجانب الاختيارى من الحياة المتأثر بمفهوم الإنسان ولأهداف حياته والذى يؤثر بدوره حتى في أداء تلك الضرورات فيعطيها سمتها الخاص.
فالبيت مثلا هو البيت من حيث المبدأ .. هو"المأوى"الذى يأوى إليه الإنسان ويسكن فيه وإليه.
(1) انظر في المقابل كيف تميع المسلمون وذابت شخصيتهم في حركة النقل الأخيرة فقدوا أصالتهم.