فهرس الكتاب

الصفحة 93 من 436

ولكن نظرة سريعة إلى البيت في العمارة الإسلامية والبيت في الجاهلية المعاصرة مثلا تكشف عن الفارق الهائل في المفاهيم وما يترتب عليها من أنماط السلوك.

فالبيت في العمارة الإسلامية"صيانة"للأداب وللأخلاق وللأعراض بقدر ما هو في الجاهلية المعاصرة"استعراض"و"كشف"لكل ما ينبغى أن يصان!

فى البيت الإسلامى لا يطلع الزائر على ربه البيت لأنها"حرم"مصون". من أجل ذلك يخصص له مكان في البيت يستقبل فيه ويرحب به وتقدم له"التحية"الواجبة ويتناول الطعام إذا دعى إليه دون أن يظهر لأهل البيت أو يظهروا له كما يخصص للأسرة مجال حياتها الكامل بغير تضييق دون أن تكون مكشوفة للزائر من الرجال. ومن بديهيات ذلك البيت أن تكون غرف النوم من أعماقه لا في ظاهره لأنها الأماكن التى يضع فيها الناس ثيابهم وينبغى الاستئذان قبل الدخول إليها حتى من الأطفال وملك اليمين."

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَاذِنْكُمْ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنْ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلاةِ الْعِشَاءِ ثَلاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ الآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (58) } [سورة النور 24/ 58]

انظر في مقابل ذلك إلى البيت في العمارة الجاهلية المعاصرة حيث حجر النوم هى المكشوفة على الطريق بحجة الحصول على أكبر قدر من الشمس والهواء! وهى حجة مفتعلة لا تستر الرغبة الداخلية في التعرى والانكشاف ومن البديهى ألا يكون فيها"حرم مصون"لأنه لا صيانة في هذه الجاهلية لشئ من المقدسات!

والمثال الذى ضربناه بالبيت هو مجرد توضيح للمعنى الذى نريد أن نشير إليه.

إن الأشكال المادية والتنظيمية من الحضارة ليست غاية في ذاتها إنما هى وسائل للتعبير عن مفاهيم تلك الحضارة. والمفاهيم هى المعيار الحقيقى لتلك الحضارة ويأتى بعد ذلك الإبداع الفنى في التنفيذ. وللإبداع الفنى معاييره الخاصة كما أن له وزنه في قياس"رقى"الإنسان. ولكنه لا يكون أبدا هو المعيار! لأنه مجرد"براعة"فى الأداء لا تختص بقوم دون قوم إنما هى من العطاء الربانى المبذول للناس جميعا مؤمنهم وكافرهم:

{كُلاًّ نُمِدُّ هَؤُلاء وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا (20) } [سورة الإسراء 17/ 20]

فإذا رجعنا إلى"المفاهيم"فهنا نلمس تفرد الحركة الحضارية كما لمسنا من قبل تفرد الحركة العلمية الإسلامية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت