فهرس الكتاب
إن"عمارة الأرض"أمر يقوم به"الإنسان"عامة تحقيقا لمعنى من معانى الخلافة في الأرض:
{وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً} [سورة البقرة 2/ 30]
{هُوَ أَنشَأَكُمْ مِنْ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا} [سورة هود 11/ 61]
ولكن عمارة الأرض بمقتضى المنهج الربانى هى الشئ الذى تتميز به الأمة المؤمنة عن سائر الأمم الجاهلية وإن اشتركا فى"العمارة: من حيث هى جهد مبذول وفن وبراعة في الأخراج."
وحين ننظر من هذه الزاوية يطالعنا في تلك الحضارة لأول وهلة أنها تأخذ الإنسان بمجموعة المتكامل: جسده وروجه دنياه وآخرته قيمه وأخلاقه في توازن ملحوظ.
فالمسجد في المدينة هو مبناها الرئيسى ومؤسستها الرئيسية كذلك. فهو مكان العبادة وكان الاجتماع وفيه المدرسة التى يتعلم فيها الكبار والصغار باختصار: تلتقى فيه الدنيا بالآخرة. يذكر فيه الناس بالله واليوم الآخر لا ينقطعوا للآخرة وينصرفوا عن عمارة الأرض. بل لينطلقوا إلى الدنيا وقلوبهم مرتبطة بالآخرة فيكون عملهم كله في الحياة الدنيا"عبادة"على المعنى الواسع ويكون المسجد هو المكان الذى يلتقى فيه الإنسان"الزاد"الذى يتزود به ليقوم ببقية أعماله مطمئن القلب مستريح الأعصاب:
{الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (28) } [سورة الرعد 13/ 28]
كما أنه المكان الذى يتعارف فيه أهل الحى وتقوم بينهم صلة الأخوة والمودة التى يحض عليها الإسلام.
ضع المقابل في الجاهلية المعاصرة"علب الليل"والمراقص والملاهى باعتبارها في حسهم هى مكان الترويح وهى الزاد الذى يتزود به الإنسان ليعود إلى عمله نشيطا في الصباح!
وانظر الفارق بين الحضارتين!
إن الحضارة الإسلامية تمارس كل ألوان النشاط البشرى التى تؤدى إلى عمارة الأرض من تجارة وصناعة وعلم .. إلخ وتسعى إلى الإنتاج الوفير في كل أبواب الإنتاج ولكنها في سعيها كله تلتزم بالحلال والحرام وبالقيم الأخلاقية وبما يقتضيه الإيمان بالله واليوم الآخر من تشكيل للسلوك:
{هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ الأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ (15) } [سورة الملك 67/ 15]
{وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنْ الدُّنْيَا} [سورة القصص 28/ 77]
وكان المسلمون في أجيالهم الأولى أمة نشطة في كل اتجاه.
كانت تجارة العالم في أيديهم من الصين إلى أوربا مع ما يستتبع ذلك من معرفة بطرق الملاحة البحرية وطرق اليابسة في آسيا وأفريقيا إلى مداخل أوربا.