فهرس الكتاب

الصفحة 96 من 436

تقوم بنشاطها الفكرى والفنى ملتزمة في ذك كله بالمنهج الربانى فلا يؤدى الفكر إلى الإلحاد ولا يؤدى الفن إلى التبذل والفساد الخلقى وإتلاف الفكرة كما هو حادث في الجاهلية المعاصرة.

وإلى جانب ذلك تقوم مؤسسات ونظم خاصة بالأمة المسلمة لم نجد لها مثيلا عند الأمم الأخرى كبيت المال ونظام الحسبة وجماعات الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر والأوقاف الخيرية التى يوفقها أصحابها على أعمال البر وفى مقدمتها نشر العلم [1] وتأمين الصحة [2] ورعاية المعوزين والعاجزين.

وفى كلمة مختصرة: هى حضارة لا تهدف إلى مجرد عمارة الأرض إنما مزيتها الكبرى هى عمارة الأرض بمقتضى المنهج الربانى.

فى الصفحات السابقة تكلمنا عن أبرز سمات الأمة المسلمة مع تأكيد الدرجة العليا التى حقق بها الجيل المتفرد من هذه السمات. وقد أكدنا مع كل سمة أنها - من حيث هى - ليست خصيصة تفرد بها ذلك الجيل إنما هى سمة دائمة - أو ينبغى أن تكون دائمة - في حياة هذه الأمة. وأن الذى تفرد به ذلك الجيل لم يكن وجود هذه السمات في حياته إنما كان الدرجة الفذة التى حقق بها هذه السمات والتى حققت مثالية الإسلام وواقعيته في آن.

ولأمر ما - أو أمور كثيرة في الواقع - لم تحافظ الأمة على هذا المستوى الفذ الذى مارسته طيلة حياة الرسول - والخفاء الراشدين من بعده إنما هبطت عن ذلك المستوى الرفيع في كثير من الاتجاهات.

ولكن هذا ليس معناه أن الإسلام قد انتهى كما يخيل لبعض الطيبين الذين يهولهم هذا الهبوط بعد أن يعايشوا فترة الذروة بكل أمجادها وكل عظماتها وكما يخيل الخبثاء من أعداء هذا الدين للناس لغاية خبيثة في نفوسهم هى تيئيس الناس من عودة هذا الدين ليحكم الحياة من جديد. كأنما يقولون: أين هو الإسلام الى تتطلعون إلى عودته من جديد وهو قد انتهى بعد مبدئه بجيل أو جيلين وانتهى إلى غير رجعة!

على أن هذا الهبوط عن ذلك المستوى المثالى لم يكن ليكرثنا لو بقيت الأمة في حدود المستوى العادى للإسلام. فإن تلك المثالية الفذة لا يمكن أن تفرض فرضا على جميع الأجيال والله سبحانه وتعالى لم يفرضها على أحد إنما كانت تطوعا نبيلا من أولئك الأفذاذ الذين رباهم رسول الله - على عينه.

ولو بقيت الأمة على الحد الأدنى الذى فرضه الله لبقى الخير في الأرض ولكان التاريخ قد سار في غير خطه الذى ار فيه ن لا بالنسبة للأمة المسلمة فحسب بل لكل البشرية. فقد شاء الله منذ أخرج هذه الأمة

(1) في كل المساجد الكبري في العالم الإسلامي وجدت مدارس لنشر العلم, رصدت لها الأوقات للإنفاق علي المعلمين والمتعلمين, بحيث يتفرغ الجميع للعلم غير منشغلين بأمور المعاش.

(2) راحع تاريخ البيمارستانات التي كانت تقام لعلاج المرضي بالمجان.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت