فهرس الكتاب
{فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ سُنَّةَ الأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَحْوِيلًا (43) } [سورة فاطر 35/ 43]
ولكن .. أمة العقيدة. هل تجرى عليها ذات السنن التى تجرى على الجاهليات؟!
يرى ابن خلدون - من دراسته للتاريخ - أن هناك"سنة"تدول الدول بمقتضاها .. هى سنة"الشيخوخة"فالدول في رأيه تولد ضعيفة ثم تقوى ويشتد عودها وتعظم سوتها ثم تهرم كما يهرم الفرد فتذبل ملكاتها وتتلاشى طاقاتها فتصير إلى الزوال .. ويردد المؤرخ الإنجليزى المعاصر"توبنى"ذات الفكرة ناقلا عن ابن خلدون.
وقد يكون ما يقوله ابن خلدون ويردده من بعده توينبى صحيحا بالنسبة للجاهليات .. فالجاهليات تقوم على"شعوب"بعينها .. فإذا كان من سنة الله أن تهرم الشعوب كما يهرم الأفراد [1] فمن الممكن أن تدول الدول التى تنشئها تلك الشعوب بداء الشيخوخة بعد فترة معينة من عمرها مهما يكن لها - في فترة شبابها وفتوتها من عوامل القوة التى تبدو لعين الناظر غير قابلة للفناء.
ولكن أمة العقيدة لا تقوم على"شعب"بعينه إنما تقوم على"العقيدة"وهى عنصر له صفة الدوام. وهذا فارق رئيسى بينها وبين الأمم الأخرى التى تنشأ في الجاهليات. فارق يجعل هذه الأمة خاضعة لسنة أخرى غير السنن التى تجرى على الأمم الجاهلية ويجعل مصيرها غير هؤلاء.
فالواقع التاريخى لأمة العقيدة - أى الأمة الإسلامية - يختلف تماما عن"السنة"التى افترض ابن خلدون أنها تحرى على الأمم فتزيلها من الوجود. فتاريخها - وإن كان يمثل حتى الآن ميلا مستمرا إلى الهبوط - إلا أنه خط متذبذب يحمل صحوات كثيرة صاعدة كتلك التى شهدتها الأمة أيام صلاح الدين قاهر الصليبيين وأيام قطز قاهر التتار وكحركة المد الضخمة التى قادها محمد الفاتح إلى داخل أوربا.
ومن جهة أخرى فإن هذه الأمة على الرغم من كل ما أصابها من عوامل المرض والانحلال والكوارث الداخلية والخارجية لم تزل من الوجود بعد أربعة عشر قرنا من مولدها وهى فترة لم تعشها أمة أخرى من أمم التاريخ. وليس هذا فقط بل إنها تشهد اليوم ما يشبه أن يكون مولدا جديدا تعانى مخاضة بكل آلامه في لحظتها الراهنة.
(1) لا نجزم بأن هذه سنة ... وإن كان هناك من الظواهر التاريخية ما يساعد علي هذا الافتراض. وفي هذه الحالة قد يكون الترف الذي يصيب الأمم القوية هو"الداء"الذي يؤدي إلي الفناء.