فهرس الكتاب
ومجرد بقائها إلى هذه اللحظة على الرغم مما أصابها هو ذاته دليل على أنها لا تخضع لتلك السنة التى افترضها ابن خلدون سنة الفناء بسبب الشيخوخة. فإذا أضفنا إلى ذلك تلك الحقيقة الأخرى وهى قيام حركات البعث الإسلامى في كل مكان من العالم الإسلامى .. إلى جانب حقيقة ثالثة هى بدء انتشار الإسلام في بقاع منا الأرض لم يكن قد دخلها من قبل كاليابان وكوريا وفنلندا ودخول أوربيين وأمريكيين في هذا الدين بالمئات والألوف .. لم يعد هناك مجال على الإطلاق لتطبيق سنة الفناء بالشيخوخة بفرض صحتها على الأمة التى قامت على العقيدة لا على شعب بعينة من الشعوب.
ومع ذلك كله تظل تلك الحقيقة المذهلة تدير الرءوس .. حقيقة هبوط هذه الأمة من الذورة العليا إلى الحضيض السحيق الذى تعيشه اليوم.
نعم, إنها لم تفن كما فنيت أمم أخرى ودول ونظم وإمبراطوريات ذات سلطان وهيلمان ولكن يبقى السؤال: كيف هبطت؟ لماذا هبطت؟ لماذا لم تحافظ على أفقها السامى بل لم تحافظ حتى على المستوى الأذنى الذى لا ينبغى لها أن تهبط دونه والذى يحقق لها وجودا راسخا وممكنا لو حافظت عليه؟
ولقد يخطر على البال سؤال: أين الإسلام إذن؟ ما دوره في حياة هذه الأمة؟ لماذا لم يحفظها من الهبوط؟ ما الفرق بين أمة العقيدة والأمم الجاهلية إذا كانت تلك الأمة يمكن أن تتفلت وتتفلت حتى تصبح كالأمم الداهلية بل أسوأ منها في بعض المجالات؟
ما قيمة الدين إذن؟ وما دوره في واقع الحياة؟!
فأما هذا السؤال فله إجابته ..
إن الدين ليس"جهازا"يعمل من تلقاء نفسه بصرف النظر عن نفوس الناس الذين يحملونه.
ولو شاء الله لقهر الناس على الهدى فلا يستطيعون المخالفة ولا الهبوط ولا الانحراف كما يجرى قدره في السموات والأرض فيمضى كل شئ في فلكه المقدور له لا يخرج عنه قيد شعرة .. حتى يغير الله نظام الكون كله في الموعد المقدور ولكن الله كرم الإنسان فلم يجعله"شيئا"يقهر على غير إرادة منه بل جعله كائنا فعالا مريدا قادرا على اختيار أحد الطريقين: إما طريق الهدى وإما طريق الضلال. وفى مقابل ذلك صار يحمل تبعة عمله وصار ما يحدث له - في الدنيا والآخرة سواء - يجرى نتيجة لأعماله حسب سنن مقررة كشفها الله لن لكن يهتدى على ضوئها ويضبط مساره بمقتضاها:
{إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ} [سورة الرعد 13/ 11]
{ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ} [سورة الأنفال 8/ 53]