تنتشر إلا في جو ملئ بالركود والفساد، والمناخ الوحيد الصالح للقضاء عليها هو المناخ القتالي الذي يكشف المعادن النقية ويذيب المعدن الرخيص، لقد كانت الحاجة الإسلامية ملحة في ضرورة رفع راية الجهاد، وكانت الدولة الإسلامية التي تعرضت للانشقاق والتمزق تحتاج إلى هذا الصمام ليحميها من جو السكون والاستسلام.
لكن العباسيين غزوا في عقر دارهم ... فذلوا، ولم يرفعوا راية الجهاد ضد العدو الخارجي ... فارتفعت رايات العصيان الداخلي.
وهكذا لنا عبرة فيمن سبق كما قال تعالى (قل سيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة الذين من قبل كان أكثرهم مشركين) (سورة الروم:42) فهؤلاء العباسيون ملكوا ما لم يملكه أحد في زمانهم، ولكن ماذا فعل الله بهم لما تركوا أمر الله تعالى، ثم ماذا فعل الله بهم لما تركوا الجهاد؟، كانت النتيجة أنهم ذلوا وضاع ملكهم.
وذلك مصداق لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما ترك قوم الجهاد إلا ذلوا) .
وإن هذه الأمة لن يصلح آخرها إلا بما صلح به أولها، فالله الله في هذا الدين، والله الله في هذا الجهاد».
ثم يأتي الكاتب في القسم الثالث من الكتاب، وهو بعنوان:
«دول مغربية تسقط» ليذكر سقوط دول في المغرب مبتدءًا بسقوط دولة الأغالبة في تونس إلى سقوط دولة الموحدين في المغرب والأندلس.
ونلحظ في هذا القسم أن تلك الدول التي قامت في تلك البقعة وفي ذلك الزمان قامت كرد فعل لضعف الخلافة، ثم ما لبثت أن سقطت لعدم توفر مقومات البقاء، وقد قامت بعض تلك الحركات الانفصالية على نزعات سياسية، والبعض على نزعات مذهبية، والبعض الآخر على نزعات قومية، إلا أنها جميعًا لم يكتب لها البقاء لأنها ولدت ميتة، وكمثال على ذلك يقول الكاتب عند ذكره لسقوط دولة الأغالبة في تونس، صـ139: «لكن الدول الانفصالية لا يمكن أن تقف أمام الحضارات الجامعة التي تمثل كيانًا وجوديًا له أبعاده الحضارية المتكاملة ... لقد سقطوا أولًا وقبل كل شيء باعتبارهم حركة انفصالية لا تستطيع أن تصمد أمام كيان حضاري زاحف له راية أيدلوجية يقف تحتها، مهما اختلفنا في أبعاد هذه الراية أو هذه الأيدلوجية» .
ويقول عن سقوط الأدارسة في المغرب، صـ148: «بيد أنها كأية حركة انفصالية كانت تفتقد مبرر الوجود والبقاء فظلت على الرغم من قرنيها مجرد حركة انفصالية ولم تستطع لا جغرافيًا ولا فكريًا أن تزيد على حدودها التي ضمها إدريس الأول شيئًا ذا بال» .
ويقول عن سقوط دولة الحماديين، صـ170: «وسقطت دولة الحماديين لأن كلمة التاريخ التي هي جزء من سنة الله تقول: إن الدول كالأفراد تتآكل بالتدريج ما لم تبحث عن شملها المبعثر، أو كما يقول المثل العربي الصادق"إنما أكلت يوم أكل الثور الأبيض"وسقطت دولة الحماديين سنة 547هـ على يد قوة إسلامية جديدة» .
وهكذا نجد الكاتب يذكر الدول دولة دولة، وأسباب سقوطها والتي لا تكاد تختلف عن بعضها البعض،