بقلم؛ محمد الناصر
كيف عالج الإسلام العصبية القبلية؛ كيف عمل على تذويبها؟ سؤال مهم يطرح نفسه، إذ كيف كان الفرد مشلول الإرادة، مسلوب القوة أمام عبوديته لطغيان القبيلة؟
صحيح أن المرء ما كان يجد الأمن والاستقرار إلا في رحاب القبيلة، فهي البنية الاجتماعية المعتبرة، في صحراء ينعدم فيها النظام والعدل، والسلطة التي تحفظ الأمن.
إلا أن هذا لا يعتبر مبررًا كافيًا، ليلغي الفرد عقله ويسير حسب هوى القبيلة، وجبروتها ... وقد مر معنا سابقًا قول دريد بن الصمة:
وما أنا إلا من غزية إن غوت غويت وإن ترشد غزية أرشد
وعندما تحدثنا عن الشعر الجاهلي، تبين لنا مدى قوة سيطرة روح القبيلة، فهي المعبود المطاع ...
وفي صدر الإسلام كان لروح القبيلة، ومجد الآباء والأجداد تأثير عجيب مما جعل قبيلة قريش وقبائل العرب تقف متجبرة متغطرسة أمام الحق الأبلج.
أ) قوة العصبية وسيطرتها على مجتمع الجاهلية:
ذكر الزهري: أن أبا جهل وجماعة معه وفيهم الأخنس بن شريق، وأبو سفيان، استمعوا قراءة الرسول صلى الله عليه وسلم في الليل، فقال الأخنس لأبي جهل: يا أبا الحكم، ما رأيك فيما سمعت من محمد؟ فقال: تنتازعنا نحن وبنو عبد مناف الشرف أطعموا فأطعمنا، وحملوا فحملنا، وأعطوا فأعطينا، حتى إذا تجاثينا - أو تحاذينا - على الركب وكنا كفرسي رهان قالوا: منا نبي يأتيه الوحي من السماء فمتى ندرك هذا؟ والله لا نؤمن به أبدًا ولا نصدقه [1] .
(1) انظر السيرة النبوية لابن هشام 1/ 315.