فليس معنى النصر هو ما نعرفه من وقوف فريقين يغلب كل منهما الآخر، ليس هذا هو النصر، إنما النصر ما يُلقيه الإنسان من دروس على امتداد التاريخ، لقد سقط شهداء في الستينات والسبعينات والثمانينات، سقط شهداء؛ فكانت شهادتهم أقوى نصرًا وأكثر غلبة مما لو كانوا بقوا في هذه الحياة، {إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آَمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ} .
وهكذا تصور هذا السورة المعركة القائمة بين الحق والباطل، وتحث الناس على أن يقفوا بجانب الحق ولا تغرهم سطوة الباطل ولا قوة أهله، إنما هو عرض عما قليل ينتهى، {فَلَا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلَادِ} .
كونوا مع الحق، وقولوا الحق وإن كان مرًا، واصمدوا في موقفكم، وثبتوا أقدامكم، وادعوا الله أن يقويكم وأن يمدكم بمدد من عنده.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.
أما بعد ...
فيا عباد الله ...
أوصي نفسي وأوصيكم بتقوى الله، ولنتعلم من سورة غافر ...
-نتعلم تحمل الإيذاء والتعذيب؛ وأنت تقول الحق وتدعو إليه، وأنت ثابت في مكانك، لا يغررك تقلب أهل الباطل في البلاد، ولا ما معهم من قوة ومن مال ومن نفوذ، لا يغررك هؤلاء، {مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ} .
-تعلم الصبر من سورة غافر؛ وهي تدعو المصطفى صلى الله عليه وسلم - مرة بعد مرة - بأن يصبر، وتبين له أن وعد الله حق، وعد الله بالنصر، وبغلبة المؤمنين، وبأن جند الله هم المنصورون ... وهم الغالبون، وأن حزب الله هم المفلحون، {فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ} ، فإن وعد الله حق: {فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ} ، فلا بد أن تصبر، ولا بد أن تذكر الله، وأن تسبحه بالعشي والإبكار، فلا بد أن يكون مع الصبر؛ تسبيح وذكر.