فهرس الكتاب

الصفحة 9 من 14

أكثر من ذلك، {مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ} .

وهكذا يستمر هذا الرجل وهو يبين من يدعو إلى الجنة ومن يدعو إلى النار، فيدعوهم إلى الجنة، يدعوهم إلى النجاة، وهم يدعونه إلى النار، هو يدعوهم ليؤمنوا بالله العزيز الغفار، وهم يدعونه ليكفر بالله ويُشرك به ... فليقارنوا بين الدعوتين؛ هؤلاء الأصنام ومن يعبدونهم من دون الله - من أمثال فرعون - ماذا يملكون؟ لا يملكون دنيا ولا يملكون آخرة، وأن مرجع الأمور والأشياء والأشخاص إلى الله، وأن الذين يُشركون ويبتعدون عن الطريق الحق هم أصحاب النار.

ثم ختم الرجل كلامه بأنهم سيتذكرون هذا الكلام، لكن في موقف لا ينفعهم فيها التذكر: {فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ} .

وهكذا يستمر الصراع بين أهل الحق وأهل الباطل، ويبذل أهل الباطل كل قوتهم وجمعهم وأسلحتهم ونفوذهم، ليضربوا أهل الحق، وليسكتوهم عن الحق الذي يهددهم ويهدد سلطانهم ... فهل هذا يكون؟ وهل هذا يقع؟ أن يملك أهلُ الباطل فيسكتوهم؟

إن الله سبحانه وتعالى وعد أهل الحق بالنصر، لا بالآخرة فقط بالثواب العظيم، ولكن في الدنيا؛ {إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آَمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ} ، وينتصر الحق رغم قلة أهله، ورغم قلة ما معهم من عدة وعتاد، ينصرهم الله ويشد أزرهم ويمدهم بمدد من عنده.

و [النصر لا يكون فقط في ميدان فيه] مواجهة بين فريقين من الجنود، هذا ينتصر لأنه يتغلب على الفريق الآخر، ليس النصر قاصرًا على هذا الميدان، إنما النصر له صور مختلفة وأشكال متعددة.

-فإبراهيم عليه السلام قد انتصر ... لم ينتصر فقط عندما نجاه الله من النار، بل انتصر عندما قُذف في النار، عندما قُذف في النار انتصر إبراهيم عليه السلام لأنه ثبت على الحق الذي دعا إليه حتى ألقوه في النار، وانتصر إبراهيم مرة أخرى يوم أن أنجاه الله من النار.

-إن الحسين رضي الله عنه قد انتصر، رغم أنه قُتل في سبيل الله، ورغم أنه خرج ومعه أفراد قلائل ليواجهوا دولة ظالمة، انتصر الحسين، انتصر وهو المقتول، انتصر وهو المغلوب في نظر الناس، انتصر الحسين فظل اسمه يدوي، وظل علما مرفوعًا على أهل الحق وعلى القائمين للحق والثابتين على الحق، انتصر الحسين رضي الله عنه رغم أنه استشهد في سبيل الله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت