فهكذا توجه سورة غافر؛ المؤمنين، عباد الله، الدعاة إلى سبيله، وإلى الحق الذي يؤمنون به.
ثم تدعو سورة غافر رسول الله صلى الله عليه وسلم في آيات أخرى منها: {فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ} ، فسواء رأيت ما نَعد به أو توفاك الله، فإن وعد الله واقع وثابت لا محالة، فالمرجع والمئاب إلى الله: {فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ} .
وهكذا تعلمنا سورة غافر - ونحن نستمسك بالحق - ماذا نصنع، علينا أن نصبر وأن نتحمل الإيذاء والتعذيب، وإن نتحمل السجن والاعتقال، فأهل الباطل يبذلون كل قوتهم وكل ما يملكون من أساليب، يتفننون فيها بالايذاء والتعذيب، فإذا أخذوا الدعاة الله؛ فإنهم يبذلون كل ما في وسعهم لإيذائهم.
يضعون الإنسان في زنزانة انفرادية، ثم تُغلق عليه الأبواب، ولا يخرج إلى دورة المياه إلا في أوقات مخصوصة ... ويأتي لكي يخرج الإنسان إلى دورة المياه، لابد من احضار ضابط و"صول"و"شويش" [ ... ] [1] وأربعة عساكر، وأمور مزعجة، ثم بعد ذلك نجد كل ما يملكون من وسائل التعذيب النفسي موجود، يبذلونه لإرهاب أهل الحق، لكن أهل الحق عليهم أن يستمسكوا بالحق الذي يؤمنون به، وأن يدعو الله أن يثبت أقدامهم، وأن يقوي جنابهم، فإن الله معهم يدافع عنهم.
وهكذا نجد ما يبذله أهل الباطل لإيذاء القائمين بالحق؛ يبذلون كل قوتهم، فماذا نصنع؟ {فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ} ، فلابد من الصبر، ونقول كما قال رسل الله: {وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آَذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ} ، نصبر على الإيذاء، ونصبر على التعذيب، ونصبر على السجن الإنفرادي، ونصبر على كل ما يتفنون به من إيذاء وتعذيب بالمسلمين، لابد أن نصبر، {وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آَذَيْتُمُونَا} ، لا نتزعزع، ولا نتزلزل، ولا نرجع، ولا نتأخر، إنما نتقدم بتوفيق الله ورحمته وفضله.
فسورة غافر تبين؛ أن كل جدال في آيات الله، فهي محاولة لنشر الباطل، ولنشر الضلال والكذب؛ {الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آَيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ آَمَنُوا كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ} ، فإذا جادل أُناس في الصحافة أو في وسائل الإعلام عامة ... إذا جادلوا ليحاولوا صرف الناس عن تطبيق الشريعة، هذا هو الجدال؛ {وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ} .
(1) قطع في الشريط.