الصفحة 56 من 90

و من بعض هذه الأغلال و المشقات التي كانت على الأمم السابقة المؤاخذة في الإكراه؛ كما يشير إلى ذلك قوله تعالى في سورة الكهف (إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا) [1]

قال الشنقيطي رحمه الله تعالى في أضواء البيان: (مسالة: أخذ بعض العلماء من هذه الآية الكريمة أن العذر بالإكراه من خصائص هذه الأمة لأن قوله عن أصحاب الكهف:(إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ) ظاهر في إكراههم على ذلك و عدم طواعيتهم، و مع هذا قال عنهم: (وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا) فدل على أن ذلك الإكراه ليس بعذر، و يشهد لذلك حديث طارق بن شهاب في الذي دخل النار في ذباب قربه مع الإكراه بالخوف من القتل لأن صاحبه الذي امتنع أن يقرب ولو ذبابا قتلوه. [2]

و يشهد له أيضا دليل الخطاب، أي مفهوم المخالفة في قوله صلى الله عليه وسلم: (إن الله تجاوز لي عن أمتي الخطأ و النسيان و ما استكرهوا عليه) فإنه يفهم من قوله: (تجاوز لي عن أمتي) إن غير أمته من الأمم لم يتجاوز لهم عن ذلك. وهذا الحديث وإن أعله الإمام احمد بن حنبل و ابن أبي حاتم فقد تلقاه العلماء قديما و حديثا بالقبول و له شواهد ثابتة في القران العظيم و السنة الصحيحة و قد أوضحنا هذه المسالة في كتابنا: (دفع إيهام الاضطراب في آيات الكتاب) في سورة الكهف و لذلك اختصرناها هنا.

أما هذه الأمة فقد صرح الله تعالى بعذرهم بالإكراه قي قوله: (إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ) [3] و العلم عند الله تعالى) أهـ (73/ 4)

قلت: ويتبع لهذه الفائدة أيضا قوله تعالى عندما ذكر الإكراه على الزنا في كتابه فقال عن المكرهات على ذلك (وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ) [4]

فذكر المغفرة و الرحمة هنا فيه بيان لفضل الله عز و جل على هذه الأمة بالتجاوز عن هذا الأمر و هو (الإكراه) والمغفرة و عدم المؤاخذة عليه بخلاف كثير من الأمم السابقة. فالحمد لله حمدا كثيرا.

(1) الكهف 20

(2) هذا الحديث قد تكلم فيه، وانظر (تنبيهات على كتب تخريج كتاب التوحيد) للشيخ ناصر بن حمد الفهد فك الله أسره.

(3) النحل 107

(4) النور 33

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت