الصفحة 106 من 169

قلت: نعم؛ مثل هذه القصة تصدر من السكارى والماجنين، وإنها لبعيدة عن الأتقياء [1] ... وعلى كل حال، فالقصة ضعيفة، ولا سيما الطرق التي فيها إقرار النبي-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-لعبد الله بن رواحة على فرض وقوعها منه-رضي الله عنه-وهو منزه عن كل ما يخرجه عن أدب المؤمنين فضلًا عن غير ذلك-ولهذا وضعناها في كتابنا، وإلا فقد يعتذر لصنيع ابن رواحة-رضي الله عنه-! فقد أخرج ابن أبي الدنيا في: (العيال) (2/ 770 - 771/رقم:571) قال: ثنا محمد بن بكار، ثنا حفص بن عمر، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن الشعبي-رحمه الله تعالى-: (أن عبد الله بن رواحة أصاب من جارية له فدَرَتْ به امرأته، وأخذت شفرة، ثم أتته، فوافقته حتى قام منها، قالت: أفعلتها يا ابن رواحة؟! قال: ما فعلت شيئًا. قالت: لتقرأن قرآنًا، أو: لأبعجنك بها. قال: ففكرت في قراءة القرآن، وأنا جنب، فهبت ذلك، وهي امرأة غيرَى، وبيدها شفرة ولا آمنها) .

ففعله هذا-لو صح-خوفًا على نفسه، وبعدًا من أن يقع في الهلكة، ولكن هذه الطريق ضعيفة أيضًا، وعلتها الانقطاع، فإن الشعبي لم يدرك عبد الله بن رواحة ...

وحكم الشيخ محمد رشيد رضا في: (فتاويه) (3/ 970/973) على القصة بالوضع حيث قال: (أما وجه حكمي بوضعها؛ فهو ما فيها من نسبة تعمد الكذب من صحابي من الأنصار الأولين الصادقين الصالحين، وتسميته الشعر قرآنًا، أي: نسبته إلى الله عز وجل القائل فيه: {وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ} وإقرار النبي-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-له على ذلك بالضحك الدال على الاستحسان كما صرح به في بعض الروايات، وقد صرح العلماء بأن من نسب إلى القرآن ما ليس منه كان مرتدًا) .

أما الأبيات فنسبتها لعبد الله بن رواحة صحيحة والقصة ضعيفة. انتهى المراد من كتاب: (قصص لا تثبت) (2/ 21/ إلى:44/رقم:10) [2] . بتصرف يسير مني.

(1) -قال الشيخ الفقي في تعليقه على كتاب: (الرد على الجهمية) لأبي سعيد الدارمي عقب هذه القصة: (لا شك عندي في أن هذه المسألة موضوعة، فإن صحابيًا جليلا لا يكذب عمدًا ويلبِّس القرآن) .

(2) -قال مشهور: وأنبه هنا على أمرين:

1 -الأول: نُسب الشعر المذكور لحسان بن ثابت أيضًا، وهذا يضعف القصة. أخرج نحو ذلك ابن أبي شيبة في: (المصنف) (8/ 507) ، وأبو يعلى في: (المسند) (5/ 61/رقم:2653) ، وابن قدامة في: (إثبات صفة العلو) (37) والذهبي في: (العلو) (40) وهو مرسل، كما قال الذهبي في: (العلو) ، و (السير) (2/ 519) ، والهيثمي في: (المجمع) (1/ 24) .

2 -الثاني: لا يلزم من ضعف القصة أن هذه الأبيات لم يقلها ابن رواحة! وإنما الضعف كامن في المناسبة التي يروونها لها، قال ابن كثير في: (البداية والنهاية) (4/ 258) : (ومما نقله البخاري من شعره-أي: عبد الله بن رواحة رضي الله عنه-في رسول الله-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-وسرد ما وقع من شعر في خبر زمعة-وانظر هذه الأبيات أيضًا في:(شواهد المغني) (290/ 291) و (جزء أحاديث الشعر) للحافظ عبد الغني المقدسي (رقم:19) .

قلت: أخرج البخاري في: (صحيحه) كتاب التهجد، باب: فضل من تعار من الليل فصلى (3/ 39/رقم:1155) بسنده إلى الهيثم بن أبي سنان أنه سمع أبا هريرة - رضي الله عنه - وهو يقصُص في قصصه-وهو يذكر رسول الله-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: (إن أخًا لكم لا يقول الرفث) ، يعني بذلك: عبد الله بن رواحة: وساق الأبيات فحسب.

وأخرج البخاري أيضًا في: (صحيحه) كتاب الأدب: باب هجاء المشركين (10/ 546/رقم:6151) ، و (التاريخ الصغير) (1/ 49/50) ، والطبراني في (الكبير) -كما في: (فتح الباري) (3/ 42) -وأحمد في: (المسند) (3/ 451) ، والبيهقي في (الكبرى) (10/ 239) وغيرهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت