فهرس الكتاب
قال ابن ماجه: حدثنا إسماعيل بن محمد الطلحي، وأحمد بن سعيد الدارمي، قالا: روح بن عُبادة، عن سعيد، عن قتادة، عن الحسن، عن حضين بن المنذر بن الحارث بن وعْلة، أبي ساسان الرقاشي، عن المهاجر بن قُنفذ بن عمير ابن جُذعان؛ قال: أتيت النبي-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-وهو يتوضأ؛ فسلمت عليه فلم يرد علي السلام، فلما فرغ من وضوئه؛ قال:"إنه لم يمنعني من أن أرد إليك، إلا أني كنت على غير وضوء").
قوله: (إني كرهت) ، لا (يدل على المنع من المس، بل: ولا على الكراهة الشرعية، وغاية ما يدل عليه أنه لا تطيب نفسه-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-إلا بأن يذكر الله تعالى وهو على طهارة، وقد كان-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-لا يحب أشياء؛ لأنه لا يجد في نفسه ميلًا إليها؛ ولا رغبة فيها، وهي مشروعة مباحة، ويرى أصحابه يفعلونها، ولا ينكر عليهم شيئًا من ذلك، وهذا من الباب نفسه والله أعلم. ولئن سلمنا أن الكراهة شرعية، لكنها-مع ذلك-لا تعارض الجواز بحال، لذا قال الإمام ابن خزيمة في:(صحيحه) (1/ 103) مبوِّبًا على هذا الحديث: (باب: استحباب الوضوء لذكر الله، وإن كان الذكر على غير وضوء مباحًا) .
ثم أورد حديث عائشة المتقدم مبوبًا عليه بقوله: (باب: ذكر الدليل على أن كراهية النبي-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-لذكر الله على غير طهر كانت إذ الذكر على طهارة أفضل، لا أنه غير جائز أن يذكر الله على غير طهر، إذ النبي-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-قد كان يذكر الله على كل أحيانه.
ولو أننا عدنا إلى النظر في حديث علي الذي يتخذه المانعون من مس الجنب القرآن أو تلاوته، لوجدنا فيه: (كان النبي-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-يقضي حاجته ثم يخرج فيقرأ القرآن) ، فكيف يجتمع لهم قولان ضدان، لدليلين في آن واحد معًا، إذ إن قوله تعالى: {لَّا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ} .
يقضي-عندهم-بمنع مس المصحف لغير المتطهر، يستوي في ذلك المحدِثان من الحدثيْن الأصغر والأكبر، وما جاء في هذا الحديث من أنه-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-كان يقضي حاجته، ثم يخرج فيقرأ القرآن، يقضي بجواز القراءة للمحدث، وهل كل من يقرأ القرآن يكون حافظًا للقرآن فيقرؤه عن ظهر قلب، لكي نقول: بأن القرآن شيء والمس شيء آخر؟!