الصفحة 109 من 169

ثم هل عظمت صحائف المصحف إلا لما فيها من كلام الله سبحانه؟! فهل تُجَوّز القراءة ويمنع المس؟! لا أحسب من يريد قراءة القرآن، وهو ليس حافظًا له، إلا أن له أن يقرأ بالنظر إلى المصحف [1] ، وبالتالي مسه فلا فرق إذًا بين القراءتين، ومن يفرق بينهما يُعْوِزُه الدليلُ، ولا دليل!

ولا يغيب عن بالنا حديث أبي هريرة-رضي الله عنه-المتقدم: (سبحان الله، إن المؤمن لا ينجس) [2] . لما قاله النبي-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-تعليمًا لأبي هريرة-رضي الله عنه-وغيره، فهو يشمل كل ما يندرج تحته، كأن يذكر الله على كل أحيانه [3] ، جنبًا كان أم غير جنب، من غير تحرج ولا تأثم، والذي تحرج منه أبو هريرة-رضي الله عنه-هو أن يسلم على النبي-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-في حال الجنابة.

ولو كان عدم التطهر مانعًا شرعيًا من ذكر الله، لكانت الجنابة-ولا شك-أولى بالكراهة من الحدث الأصغر، وبمثل هذا نعلم أن كراهة النبي-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-لرد السلام وهو غير متطهر ليست هي الكراهة الشرعية، بل: من باب عدم الرغبة والميل للشيء المراد فعله.

(1) -ولاسيما والرسول-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-رغب في القراءة في المصحف فقال: (من سره أن يحب الله ورسوله فليقرأ في المصحف) ، أخرجه أبو نعيم في: (الحلية) (7/ 209) وحسنه الألباني في: (صحيح الجامع) (رقم:2689) ، وانظر الكلام عنه بتوسع في: (السلسلة سلسلة الأحاديث الصحيحة) (رقم:2342) ، ونقل الحليمي في: (شعب الإيمان) عن يونس بن عبيد أنه قال:"كان خلقًا للأولين النظر في المصحف".

وقال العلامة الفاسي-رحمه الله-: (كان الأئمة والصالحون من السلف أول ما يبدءون به إذا أصبحوا النظر في المصحف، وكانوا يأمرون من اشتكى بصره أن ينظر في المصحف) . انظر: (تلاوة القرآن المجيد) (ص:189) للأستاذ عبد الله سراج الدين، و (نوادر الشوارد فوائد في التحقيق والتدقيق لثقافة عالية) (ص:89) .

(2) -معناه: أن المسلم إذا أجنب أو: أحدث لا يصير نجسًا بهما، وإنما حكم التطهر للتعبد. انظر: (بذل المجهود) (2/ 205) .

(3) -وقد زعم بعض العلماء أن قول عائشة-رضي الله عنها-: (على كل أحيانه) . يشمل حتى الكنف نقل ذلك القرطبي في تفسيره. وإن قصدوا حالة الضرورة فنعم، فلشيخنا العلامة محمد الزمزمي-رحمه الله- له رسالة بعنوان: (رفع الحرج والتعنيف عن الموظف الذي يضطر إلى الصلاة في الكنيف) . والصلاة لا بد فيها من قراءة الفاتحة وما تيسر معها من القرآن.

قال النووي-رحمه الله-: (وأما القراءة في الحمام فقد اختلف السلف في كراهيتها فقال جماعة منهم: لا يكره وهم: إبراهيم النخعي ومالك وهو قول عطاء، وقال جماعة: يكره وهم: علي بن أبي طالب، وجماعة من التابعين منهم: الشعبي والحسن البصري ومكحول. قال الشعبي: تكره القراءة في ثلاثة مواضع: في الحمامات، والحشوش، وبيوت الرحى وهي تدور. وقال أبو ميسرة: لا يذكر الله إلا في مكان طيب.

قال الشيخ الألباني-رحمه الله تعالى-في: (تمام المنة) (1/ 190) : (حديث عائشة-رضي الله عنها-قالت:(كان رسول الله-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-يذكر الله على كل أحيانه) . رواه مسلم، وأبو عوانة في: (صحيحيهما) ، فهو بعمومه يشمل حالة الجنابة وغيرها كما أن الذكر يشمل القرآن وغيرها.

وقد كنت قديمًا اعترضت على المؤلف لاحتجاجه بهذا الحديث، واحتججت عليه بنحو ما ذكرت هنا، ثم رد علي بأن الحافظ حسنه، فتعجبت وقتئذ كيف قدم تحسين الحافظ على تضعيف هؤلاء الأئمة، مع كون هذا التضعيف موافقًا لقواعد علم الحديث من رد حديث المختلط والمتغير؛ كما تقدم بيانه في المقدمة).

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت