الصفحة 110 من 169

وإذ ذلك كذلك، فقد ثبت عند الذين منعوا غير الطاهر من المس جواز المس ...

ولعل بعضهم يقول: إن التوفيق ممكن بين حديث عائشة-رضي الله عنها-: (اصنعي كل شيء ... ) . (الحديث) .

وبين حديث: (لا يمس القرآن إلا طاهر) ، بأن يكون المراد بـ: (طاهر) الطاهرَ طهارةً شرعية، وهو أول ما يتبادر إلى الذهن، فيكون المراد من حديث عائشة-رضي الله عنها-استثناءَ الصلاة والطواف، ويضاف إليهما مستثنىً ثالث، وهو مس القرآن، استُثني بهذا الحديث!

وهذا بعيد جدًا، بل: ولا يحسن أن يخطر بالبال، فإن حديث عائشة-رضي الله عنها-عام خصص بالاستثناء، ولو كان هناك أمر آخر حديثَ هذين لاستُثني، وهذا-ولا شيء سواه-ما تقتضيه قاعدة: (لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة) .

فيكون مرادًا بحديث عائشة-رضي الله عنها-كل عبادة إلا عبادتي الصلاة والطواف لا غيرهما ... فإن قيل: لماذا حملتم معنى كلمة (طاهر) في حديث: (لا يمس القرآن إلا طاهر) على الإسلام، مع أنها تحتمل معنىً آخر ألا وهو الطهارة، بدليل قوله-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-في حديث المسح على الخفين: (إني أدخلتهما طاهرتين) [1] !

فالجواب من وجهين:

أولًا: لعدم وجود دليل زائد يدل على أن المعنى المرادَ من هذا المشترَك اللغوي هو الطهارة! هاهنا.

ثانيًا: وجود دليل زائد دل على أن المراد هنا بـ (طاهر) هو المسلم لا المتطهر، وهو حديث عائشة-رضي الله عنها-المتقدم: (كان يذكر الله على كل أحيانه) ...

وهناك مسألة مهمة جدًا يجدر أن تُعرف، وهي أن هذه الآية مكية، والقرآن لم يجمع في مصاحف في مكة، بل: كان جمعه في مصحف واحد في المدينة، وبعد حروب الردة، فإذا كان سبب نزول هذه الآية هو حظرَ مس المصحف، الذي

(1) -رواه البخاري في: (صحيحه) (206) ومسلم في: (274/ 79) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت