فهرس الكتاب
دون فيه، القرآن كاملًا، فهو غير متحقِّق قطعًا؛ لأن القرآن حين نزول هذه الآية لم يكن قد جمع في المصاحف، وإن كان المحظور هو مسَّ بعض القرآن الذي كان مدونًا أجزاءً متفرقةً في الرِّقاع وغيرها [1] ، فإن المشركين على نجاستهم-كما قال الله تعالى:: {إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ} -كانوا يمسون الكتب التي كان الرسول عليه الصلاة والسلام يرسلها إلى الملوك ورؤساء القبائل، وفيها الآية والآيتان، وفي اللغة يطلق الكل ويراد به الجزء.
ولا شك أن قوله تعالى: {لا يَمَسُّهُ إِلا الْمُطَهَّرُونَ} إن أريد به القرآن المدون في المصحف، فهو متناول الجزء اليسير منه، كالآية والآيتين، بل: والكلمةَ الواحدةَ، ولو كان ذلك مرادًا لما فات الرسولَ-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-أن يجعل كتبه المرسلةَ إلى الملوك والرؤساء خاليةً من أي كلمة من القرآن، لكنه إذ لم يفعل ذلك-وهو أفصح من نطق بالضاد [2] -علمنا أن لا حظر على المشرك من مس القرآن في المصحف كله، أو: بعضه، وإذ ذلك كذلك، فأولى أن لا يكون حظرٌ من مسه على المسلم إن كان جنبًا.
وأخيرًا لا بد من التنبيه إلى أربعة أمور:
(1) -أما حكم كتابة القرآن على الجدران: إما جدران مساجد، وإما جدران منازل وما شابهها .. فجدران المساجد اتفق الأئمة على كراهة كتابة شيء من القرآن عليها قالت المالكية: (إن كانت الكتابة في القبلة كرهت لأنها تشغل المصلي سواء كان المكتوب قرآنًا أو: غيره، ولا تكره فيما عدا ذلك) .
وقالت الشافعية: (يكره كتابة شيء من القرآن على جدران المسجد وسقوفه، ويحرم الاستناد لما كتب فيه من القرآن بأن يجعله خلف ظهره) . وقالت الحنابلة: (تكره الكتابة على جدران المسجد وسقوفه، وإن كان فعل ذلك من مال الوقف حرم فعله) . وقالت الحنفية: (لا ينبغي الكتابة على جدران المسجد خوفًا من أن تسقط وتهان بوطء الأقدام) .
وقد ساق القرطبي سندًا إلى عمر بن عبد العزيز-وبين عمر ورسول الله عليه الصلاة والسلام مفاوز-أنه قال: (مر رسول الله-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-بكتاب في أرض فقال لشاب من هذيل:(ما هذا؟) قال: من كتاب الله كتبه يهودي، فقال: لعن الله من فعل هذا .. لا تضعوا كتاب الله إلا موضعه). قلت: وفيه مقال، وقال محمد بن الزبير: (رأى عمر بن عبد العزيز ابنًا له يكتب القرآن على حائط فضربه) .
أما في المنازل فممنوع أيضًا لأن القرآن لم ينزل ليعلق على الجدران، أو: على أعناق المتبرجين! والمتبرجات. وقد أطلت النفس على هذا في كتابي: (رفع الغشاوة في تحريم أخذ الأجرة على التلاوة) . طبع في مكة المكرمة. 1415 اهـ
(2) -أما حديث: (أنا أفصح من نطق بالضاد) فباطل-كذا قال ابن كثير وغيره-لكن معناه صحيح. انظر: (تذكرة الموضوعات) (87) ، و (الدرر المنتثرة) (23) ، و (الأسرار المرفوعة) (116/ 117) ، و (كشف الخفاء) (1/ 232) ، و (النوافح العطرة في الأحاديث المشتهرة) (ص:58/رقم:273) ، و (الفوائد المجموعة) (321) ، والنسخة التي عندي داخل زنزانتي الانفرادية بتحقيق المحدث المعلمي (ص:327) ، باب: فضائل النبي-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- ..