الصفحة 125 من 169

وهذا لا حجة لهم فيه لأنه ليس فيه نهي عن أن يقرأ الجنب القرآن، وإنما هو فعل منه عليه السلام لا يلزم، ولا بين عليه السلام أنه إنما يمتنع من قراءة القرآن من أجل الجنابة، وقد يتفق له عليه السلام ترك القراءة في تلك الحال ليس من أجل الجنابة وهو عليه السلام لم يصم قط شهرًا كاملا غير رمضان، ولم يزد قط في قيامه على ثلاث عشر ركعة، ولا أكل قط على خوان، ولا أكل متكئا أفيحرم أن يصام شهر كامل غير رمضان أو: أن يجتهد المرء بأكثر من ثلاث عشر ركعة [1] أو: أن يأكل على خوان أو: أن يأكل متكئًا؟ هذا لا يقولونه، ومثل هذا كثير جدًا.

وقد جاءت آثار في نهي الجنب ومن ليس على طهر عن أن يقرأ شيئًا من القرآن، ولا يصح منها شيء، وقد بينا ضعف أسانيدها في غير موضع، ولو صحت لكانت حجة على من يبيح له قراءة الآية التامة أو: بعض الآية، لأنها كلها نهي عن القراءة للجنب جملة.

وأما من قال يقرأ الجنب الآية أو: نحوها، أو: قال لا يتم الآية، أو: أباح للحائض ومنع الجنب فأقوال فاسدة، لأنها دعاوى لا يعضدها دليل لا من قرآن ولا من سنة صحيحة ولا سقيمة.

ولا من إجماع ولا من قول صاحب ولا من قياس ولا رأي سديد لأن بعض الآية والآية قرآن بلا شك، ولا فرق بين أن يباح له [2] آية أو: أن يباح له أخرى، أو: بين أن يمنع من آية أو: يمنع من أخرى، وأهل هذه الأقوال يشنعون مخالفة الصاحب الذي لا يعرف له مخالف، وهم قد خالفوا هاهنا عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وسلمان الفارسي، ولا يعرف لهم مخالف من الصحابة - رضي الله عنهم -.

وأيضًا فإن الآيات ما هو كلمة واحدة مثل: (والضحى) ، و (مدهامتان) ، (والعصر) ، (والفجر) ومنها كلمات كثيرة كآية الدين ....

(1) -الأفضل أن يقتصر المصلي في التراويح على ما ورد في السنة وهي: (13) ركعة كما قال الشيخ الألباني-رحمه الله-خلافًا لما ذهب إليه شيخنا الصابوني والأنصاري وغيرهما. حيث صححوا أثر (20) ركعة. وقد رد عنهما الشيخ الألباني في غير ما موضع من كتبه، وبين أن أثر (20) ركعة ضعيف.

(2) -أي: للجنب والحائض. انظر ما قال النووي في: (المجموع) (2/ 188) ، والشوكاني في: (النيل) (1/ 226) ، وابن قدامة في: (المغني) (1/ 143) . وإن أردت العجب فاعجب بقول الإمام مالك: (للحائض القراءة دون الجنب لأن أيامها تطول فإن منعناها من القراءة نسيت) .

ما هو الدليل على هذا التخصيص الله أعلم؟ ويا ترى الجنب إذا لم يجد الماء مدة شهر هل يباح له ذلك بدعوى طول المدة الله أعلم؟ والذي أدين الله به: أن الجنب والحائض لهما أن يمسا المصحف بله القراءة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت