فهرس الكتاب
وقد صح عنه-عليه الصلاة السلام-أنه قال: (الوتر ركعة من آخر الليل) . فصح أن ما لم يكن ركعة تامة أو: ركعتين فصاعدًا فليس صلاة، والسجود في قراءة القرآن ليس ركعة ولا ركعتين فليس صلاة، وإذ ليس هو صلاة فهو جائز بلا وضوء، وللجنب وللحائض وإلى غير القبلة كسائر الذكر ولا فرق؛ إذ لا يلزم الوضوء إلا للصلاة فقط، إذ لم يأت بإيجابه لغير الصلاة قرآن ولا سنة ولا إجماع ولا قياس.
فإن قيل: إن السجود من الصلاة، وبعض الصلاة صلاة. قلنا-وبالله تعالى التوفيق: هذا باطل، لأنه لا يكون بعض الصلاة صلاة إلا إذا تمت كما أُمر بها المصلي، ولو أن امرأً كبر وركع ثم قطع عمدًا لما قال أحد من أهل الإسلام إنه صلى شيئًا؛ بل: يقولون كلهم لم يصلِّ؛ فلو أتمها ركعة في الوتر أو: ركعتين في الجمعة والصبح والسفر والتطوع لكان قد صلى بلا خلاف.
ثم نقول لهم: إن القيام بعض الصلاة والتكبير بعض الصلاة وقراءة أم القرآن بعض الصلاة والجلوس بعض الصلاة، والسلام بعض الصلاة؛ فيلزمكم على هذا أن لا تجيزوا لأحد أن يقول ولا يكبر ولا يقرأ أم القرآن ولا يجلس ولا يسلم إلا على وضوء؛ فهذا ما لا يقولونه؛ فبطل احتجاجهم؛ وبالله تعالى التوفيق.
فإن قالوا: هذا إجماع؛ قلنا لهم: قد أقررتم بصحة الإجماع على بطلان حجتكم وإفساد علتكم وبالله تعالى التوفيق. وأما مس المصحف فإن الآثار التي احتج بها من لم يجز للجنب مسه فإنه لا يصح منها شيء؛ لأنها إما مرسلة وإما صحيفة لا تُسند وإما عن مجهول وإما عن ضعيف، وقد تقصيناها في غير هذا المكان.
وإنما الصحيح ما حدثناه عبد الله بن ربيع، قال ثنا محمد بن أحمد بن مفرج، نا سعيد بن السكن، ثنا الفربري، ثنا البخاري، ثنا الحكم بن نافع، ثنا شعيب، عن الزهري أخبرني عبيد الله بن عبد الله بن عتبة أن ابن عباس أخبره أن أبا سفيان أخبره أنه كان عند هرقل فدعا هرقل بكتاب رسول الله-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- الذي بعث [1]
(1) -بعث به: أي: أرسل به، لأن البعث يطلق في اللغة على معان سبعة:
1 -الإحياء دليله قوله تعالى: (ثم بعثناكم من بعد موتكم لعلكم تشكرون) . وقال: (فأماته الله مائة عام ثم بعثه) . فالبعث في الآيتين معناه: الإحياء.
2 -اليقظة من النوم دليله قوله تعالى: (ثم يبعثكم فيه ليقضى أجل مسمى) . فالبعث في هذه الآية معناه: اليقظة من النوم.
3 -التسليط دليله قوله تعالى: (بعثنا عليكم عبادًا لنا) . أي: سلطنا عليكم.
4 -الإلهام دليله قوله تعالى: (فبعث الله غرابًا) أي: فألهم الله غرابًا.
5 -النصب والبيان دليله قوله تعالى: (فابعثوا حكمًا من أهله) . أي: انصبوا حكمًا وقال أيضًا: (بعث لكم طالوت ملكًا) . أي: نصب لكم طالوتًا وبين لكم موضعه
6 -النشور من القبور دليله قوله تعالى: (وأن الله يبعث من في القبور) . أي: يحشر وينشر من في القبور.
7 -الإرسال كما هنا دليله قوله تعالى: (هو الذي بعث في الأميين رسولًا منهم) . أي: أرسل رسولًا من جنس العرب. إلا أن البعث أعم من الإرسال لأن الإرسال لا يكون إلا برسالة وما يجري مجراها بخلاف البعث فإنه يكون بها وبدونها.
وقد نظمت هذه المعاني قائلًا:
البعثُ لفظ ذو معاني سبعهْ * قد فازَ مَن وعَى وألقَى سَمْعَهْ
الأول: الإحياء ذاك الغايهْ * ثمَّ بعثناكم .. ... أَتِمَّ الآيهْ
فاليَقْظَةُ من الكرى دليلُها * مُبَيَّن في الذِّكْرِ كم نَقُولُها
والنَّصْبُ والبيانُ مثل فابعثُوا * حكُامهمْ من أهلهم، فاكْتَرثوا
الرابع: التسليطُ خذْ بَعَثْنَا * عليكمُ عبادَنا فأفطنَا
الخامس: الإلهام والمثال: * بَعْثُ الغراب نِعْمَ ذا الفِعالُ
ثُمَّ النُّشُورُ إِيْ مِنَ القبور * سبحان ربِّ الحكم والتدبيرِ
السابع: الإرسالُ فاحفَظْ قَوْلاَ * ولاغتنام الفضْل أحْسِنْ فِعْلاَ
البعثُ ذا أعمُّ من إرسالِ * إياكَ نهجَ سُبُلِ الضلالِ
فَإِرْسَلٌ ليسَ يَتِمْ بِغَيْرِ * رِسالة فسارِعنْ في الخيرِ
ذَا بِخِلاَفِ البعثِ إذْ يكونُ * بها، بدونها أيا أمينُ
كتبه عبيد ربه المأسور في سبيل عقيدته عمر بن مسعود بن عمر الحدوشي بزنزانته الانفرادية 29 ذو القعدة 1430 هـ