فهرس الكتاب
والمقصود بالكتاب المكنون هو: اللوح المحفوظ، وقد جاء الجار والمجرور في: (في كتاب مكنون) بين الآيتين، مما يُحَتِّم أن يكون الضمير في قوله: (يمسه) عائدًا إلى أقرب مذكور قبله، وهو (كتاب) ، وعود الضمير إلى: (قرآن) بعيد جدًا، بل: خطأ جدًا؛ لأن القاعدة المعروفة في اللغة تقول: (إن الضمير يعود إلى أقرب مذكور) [1] ، وأقرب مذكور هنا هو كلمة: (كتاب) الموصوف بـ: (مكنون) .
وإذا ظهر انطباق هذه القاعدة اللغوية النحوية المعروفة على هذه الآية، علمنا فسادَ قول من يقول بما هو شائع على ألسنة العامة والخاصة: إن نفي المس عائد إلى (قرآن) ؛ وذلك لعدم انضباطه مع قواعد اللغة العربية.
ثم إن كلمة: (المطهرون) ، ومعناها: الملائكة؛ كما ذكر ابن كثير-رحمه الله-تدل في أصل وضعها على أن صفة الطهر صفةٌ كونية، قائمة بالملائكة، وليست صفة كسبية من كسب أنفسهم، إذ لو أراد الله سبحانه أن يصفهم بصفة من كسبهم لقال: (لا يمسه إلا المتطهرون) ، وليس في القراءات-حتى الشاذ منها-هذه القراءة، ولا ما يؤيدها.
ونحن نشاهد أن المصحف يمسه المتطهر وغير المتطهر، وإذ الأمر كذلك علمنا بيقين أن الله سبحانه لم يعن المصحفَ، وإنما عنى كتابًا آخر، وهو الذي وصفه بقوله: (مكنون) ، وهو اللوح المحفوظ.
ثم إن قوله تعالى: {لا يَمَسُّهُ إِلا الْمُطَهَّرُونَ} ليس أمرًا، وإنما هو خبر، ولا يجوز صرف الخبر عن ظاهره إلى معنى الأمر إلا بنص جلي، أو: إجماع متيقَّن؛ كما يقول ابن حزم-رحمه الله في: (المحلى) (1/ 77) - ... لو أن الله سبحانه أراد بما أخبر أن يحفظ القرآن من مس غير المؤمن، أو: من المؤمن غير المتوضئ، لجعله مُحْرَزًا من ذلك بأي سبب يُحْرَزُ به، فيكون شأنه في المس حفظًا كشأنه في الضبط والكمال الذي قال فيه: {وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} ، فكان لله سبحانه أن يقدِّر لكتابه من أسباب الحفظ أن يمسه غير المؤمن أو: المؤمن غير المتوضئ ما قدَّر له من أسباب الحفظ من النقص أو: الزيادة عليه.
(1) -هذا القاعدة مسلمة إلا أن لها استثناءات: منها: الضمير قد يعود إلى ما يناسبه مثل: (لتؤمنوا بالله ورسوله وتعزروه وتوقروه وتسبحوه) هل نسبح رسول الله بدعوى أن الضمير يعود إلى أقرب مذكور؟ الجواب: لا، وأيضًا ما يسمى عند البلاغيين بالاستخدام. الخ.