فهرس الكتاب
وأيضًا مما يتوكأ عليه القائلون بمنع مس المصحف لغير المتطهر، حديث علي-رضي الله عنه-: (كان النبي-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-يخرج من الخلاء فيقرئنا القرآن، ويأكل معنا اللحم، لم يكن يحجبه-أو: يحجزه-عن القرآن شيء ليس الجنابةَ) .
وفي رواية: (كان رسول الله-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-يقضي حاجته، فيقرأ القرآن، ولم يكن يحجبه، وربما قال يحجزه عن القرآن شيء ليس الجنابةَ) (حديث ضعيف، ولم يصب من صححه) [1] .
(1) -وقد نقل فضيلة شيخنا العلامة الفقيه سيد سابق-رحمه الله-في كتابه النافع: (فقه السنة) قول الحافظ: (وضعف بعضهم بعض رواته، والحق أنه من قبيل الحسن يصلح للحجة) .
فرد عليه شيخ شيوخنا المحدث الألباني-رحمه الله-في: (تمام المنة ... ) (ص:119/ 117) . بقوله: (قلت: كلا، بل: هو من قبيل الضعيف الذي لا تقوم به حجة، لأنه تفرد به عبد الله بن سلمة-بكسر اللام-، وقد كان تغير بآخر عمره باعتراف الحافظ ابن حجر نفسه في:(التقريب) ، وفي هذه الحالة كان قد حدث بهذا الحديث كما سبق بيانه في فصل (ما يستحب له الوضوء) .
وهي علة قوية تورث شبهة في ثبوت الحديث، تمنع من الاحتجاج به، سيما وقد ثبت عن عائشة-رضي الله عنها-ما يعارضه، وقد ذكرته ثَم، وليس له ما يشهد له من الطرق ما يصلح لتقويته مثل قول المؤلف عقبه: (وعنه قال: رأيت رسول الله-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-توضأ، ثم قرأ شيئًا من القرآن، ثم قال:(هكذا لمن ليس بجنب، فأما الجنب فلا، ولا آية) . رواه أحمد وأبو يعلى وهذا لفظه، قال الهيثمي: رجاله موثقون).
ثم بين الشيخ المحدث الألباني-رحمه الله-أن لهذه الطريق علتين: الضعف، والوقف.
أما الضعف: فسببه أن في سنده عامر بن السّمْط أبا الغريف ولم يوثقه غير ابن حبان وهو مشهور بالتساهل في التوثيق ... وقد خالفه من هو أعرف بالرجال منه، وهو أبو حاتم الرازي، فقال في أبي الغريف هذا:"وليس بالمشهور ... قد تكلموا فيه، من نظراء أصبغ بن نباتة".
وأصبغ هذا لين الحديث عند أبي حاتم، ومتروك عند غيره، ومنهم الحافظ ابن حجر، فثبت ضعفه.
وأما الوقف: فقد أخرجه الدارقطني وغيره عن أبي الغريف عن علي موقوفًا عليه كما بينت ذلك في:"ضعيف سنن أبي داود""رقم:31". فقد عاد الحديث إلى أنه موقوف مع ضعف إسناده، فلا يصلح شاهدًا للمرفوع الذي قبله، بل: لعل هذا أصله موقوف أيضًا، أخطأ في رفعه ولفظه عبد الله بن سلمة حين رواه في حالة التغير، وهذا محتمل، فسقط الاستدلال بالحديث على التحريم، ووجب الرجوع إلى الأصل، وهو الإباحة، وهو مذهب داود وأصحابه، واحتج له ابن حزم في:"المحلى""1/ 77/80"، ورواه عن ابن عباس، وسعيد بن المسيب، وسعيد بن جبير، وإسناده جيد، رواه عنه حماد بن أبي سليمان قال: سألت سعيد بن جبير عن الجنب يقرأ؟ وقرن البغوي في:"شرح السنة""2/ 43"مع القائلين بالجواز عكرمة أيضًا، لكن لا يخفى أن الأمر لا يخلو من كراهة، لحديث:"إني كرهت أن أذكر الله إلا على طهر".
انظر: (تمام المنة) (ص:117/ 118) . (وضعيف سنن أبي داود) (رقم:31) ، و"سلسلة الأحاديث الصحيحة""843"، و (المحلى) (1/ 77/80) ، و (شرح السنة) (2/ 43) .
قال أبو الفضل: تنبيه: قول الحافظ في:"التقريب":"عبد الله بن سلمة-بكسر اللام-، المرادي، الكوفي: صدوق تغير حفظه .."، لم بسلمه له الأرناؤوط وعواد في:"تحرير التقريب""2/ 217/رقم:3364":"بل: ضعيف يعتبر به، فقد تفرد بالرواية عنه عمرو بن مرة وأبو الزبير المكي، ولم يصح أنه هو الذي روى عنه أبو إسحاق السبيعي، ذكر ذلك ابن معين، والنسائي، والدارقطني، والخطيب، والمصنف نفسه كما هو ظاهر من إفراد الذي بعده تمييزًا."
وقال البخاري: لا يتابع في حديثه. وقال شعبة وأبو حاتم والنسائي: تعرف وتنكر. وقال الدارقطني: ضعيف. وقال أبو أحمد الحاكم: حديثه ليس بالقوي. وقال الذهبي: صويلح. وما وثقه سوى يعقوب بن شيبة، والعجلي"."