ويظهر أن الراجح هو قول الجمهور القائلين بالاستحباب، لأنه وإن كان فيه حمل لألفاظ الوجوب على غير ظاهرها، إلا أن الحامل لذلك هو الأحاديث الأُخَر، وأوَّلُها حديث سمرة السابق وفيه: فمن توضأ فبها ونعمت ومن اغتسل فالغسل أفضل، ومع ثبوت صحته فلا مناص من العمل به مع أحاديث الوجوب، ولا يتم ذلك إلا بالقول باستحباب الغسل، ولا يقال إن أحاديث الوجوب أصح فتُقَدَّم لأننا نقول: إن إعمال الدليلين أولى من إهمال أحدهما، إلا أنه يجب الغسل في حق صاحب الريح المؤذية التي لا يُذهِبها إلا الغسل، قاله شيخ الإسلام ابن تيمية، وذلك لأن المسلم منهي عن الإضرار بأخيه المسلم، قال النبي - صلى الله عليه وسلم: [لا ضرر ولا ضرار] [1] .
(1) أخرجه أحمد (22676) ضمن حديث طويل في أقضية النبي صلى الله عليه وسلم فذكر منها: وقضى أن لا ضرر ولا ضرار، وابن ماجه - كتاب الأحكام - باب من بنى في حقه ما يضر بجاره، كلاهما من طريق فضيل بن سليمان ثنا موسى بن عقبة ثنا إسحاق بن يحيى بن الوليد بن عبادة بن الصامت عن عبادة بن الصامت مرفوعًا، وإسحاق مجهول ولم يدرك عبادة، لكن للحديث شواهد كثيرة يصح بها، منها:
1 -... حديث عائشة أخرجه الطبراني في الأوسط (1037) وفيه عمرو بن مالك الراسبي ضعيف، وأبو بكر بن أبي سبرة مجهول، وأخرجه برقم (270) وفيه أحمد بن رشدين قال ابن عدي: كذبوه. والدارقطني في الأقضية (83) وفيه الواقدي وهو متروك.
2 -... حديث ابن عباس، أخرجه الدارقطني في الأقضية (84) والطبراني في الكبير (11576) من طريق داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس، وداود ثقة إلا في عكرمة، وأخرجه ابن ماجه (2340) والطبراني في الأوسط (3777) وفيه جابر الجعفي وهو ضعيف رافضي.
3 -... حديث جابر عند الطبراني في الأوسط (5193) وفيه عنعنة ابن إسحاق.
4 -... حديث أبي هريرة عند الدارقطني من طريق ابن عطاء عن أبيه عن أبي هريرة. وابن عطاء هذا إن كان عثمان بن عطاء الخراساني فمتروك، وأبوه لم يدرك أبا هريرة؛ وإن كان يعقوب بن عطاء بن أبي رباح فقد ضعفه أحمد وابن معين وأبوزرعة والنسائي وغيرهم؛ وكلاهما يروي عن أبيه.
5 -... حديث أبي سعيد أخرجه ابن عبد البر في التمهيد (20/ 159) والدارقطني في البيوع (288) والحاكم في البيوع (216) ومن طريقه البيهقي في الصلح؛ كلهم من طريق عبد العزيز الدراوردي عن عمرو بن يحيى عن أبيه عن أبي سعيد به، والدراوردي صدوق كان يحدث من كتب غيره فيخطئ، لكن روى له الجماعة، ورواه مالك في الموطأ مرسلًا كتاب الأقضية - باب العمل في المرفق، ومن طريقه الشافعي في المسند (2/ 224) والبيهقي في الصلح وفي آداب القاضي من سننه الكبرى.
6 -... حديث أبي لبابة، أخرجه أبو داود في المراسيل (407) وفيه عنعنة ابن إسحاق. ...
7 -حديث ثعلبة بن أبي مالك، أخرجه الطبراني في الكبير (1387) وفيه يعقوب بن حميد بن كاسب ضعفه ابن معين، وقال النسائي: ليس بشيء.
8 -حديث أبي صرمة، أخرجه الحاكم والبيهقي من طريق محمد بن يحيى بن حبان عن مولاة له سمعت أبا صرمة به. والمولاة مجهولة.
والحديث حسنه ابن الصلاح كما في البدر المنير (2/ 438) .