وَاحْتَجَّ الْجُمْهُور بِقَوْلِهِ تَعَالَى: (وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّن لَكُمْ الْخَيْط الأَبْيَض مِنْ الْخَيْط الأَسْوَد مِنْ الْفَجْر) ، وَبِقَوْلِ النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: (كُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُؤَذِّن اِبْن أُمّ مَكْتُوم) ، وَبِقَوْلِهِ: (الْفَجْر فَجْرَانِ، فَأَمَّا الأَوَّل فَإِنَّهُ لا يُحَرِّم الطَّعَام، وَلا يُحِلّ الصَّلاة، وَأَمَّا الثَّانِي فَإِنَّهُ يُحَرِّم الطَّعَام، وَيُحِلّ الصَّلاة) . رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي (سُنَنه) . انتهى
وقد وردت آثار عن بعض السلف، تدل على إباحة الأكل للصائم، حتى يتيقن طلوع الفجر، وأورد ابن حزم رحمه الله تعالىمنها جملة كثيرة، ومنها: (أن عمر بن الخطاب كان يقول: إذا شك الرجلان في الفجر فليأكلا حتى يستيقنا) .
وعن ابن عباس رضي الله عنه ما قال: أحل الله الشراب ما شككت، يعني: في الفجر. .. وعن مكحول قال: (رأيت ابن عمر أخذ دلوًا من زمزم وقال لرجلين: أطلع الفجر؟ قال أحدهما: قد طلع، وقال الآخر: لا؛ فشرب ابن عمر) .
وقال ابن حزم معلقًا على الحديث المسئول عنه وجملة من الآثار المشابهة:"هذا كله على أنه لم يكن يتبين لهم الفجر أبعد؛ فبهذا تتفق السنن مع القرآن". انتهى من (المحلى) (4/ 367) .
ولاشك أن أكثر المؤذنين اليوم يعتمدون على الساعات والتقاويم [1] ، لا على رؤية الفجر، وهذا لا يعتبر يقينًا في أن الفجر قد طلع، فمن أكل حينئذ، فصومه صحيح، لأنه لم يتيقن طلوع الفجر، والأولى والأحوط أن يمسك عن الأكل!!!. وقد سئل الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله تعالى: ما الحكم الشرعي في صيام من سمع أذان الفجر واستمر في الأكل والشرب؟
فأجاب:"الواجب على المؤمن أن يمسك عن المفطرات من الأكل والشرب وغيرهما إذا تبين له طلوع الفجر، وكان الصوم فريضة كرمضان وكصوم النذر والكفارات؛ لقول الله عز وجل: (وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ) . فإذا سمع الأذان وعلم أنه يؤذن على الفجر وجب عليه الإمساك. فإن كان المؤذن يؤذن قبل طلوع الفجر، لم يجب عليه الإمساك، وجاز له الأكل والشرب حتى يتبين له الفجر."
فإن كان لا يعلم حال المؤذن هل أذن قبل الفجر أو: بعد الفجر، فإن الأولى والأحوط له أن يمسك إذا سمع الأذان، ولا يضره لو شرب أو: أكل شيئًا حين الأذان لأنه لم يعلم بطلوع الفجر.
ومعلوم أن من كان داخل المدن التي فيها الأنوار الكهربائية لا يستطيع أن يعلم طلوع الفجر بعينه وقت طلوع الفجر، ولكن عليه أن يحتاط بالعمل بالأذان والتقويمات التي تحدد طلوع الفجر بالساعة
(1) التقاويم الفلكية التي الأصل فيها الخطأ والحدس والظن كالسحر، والصوابإن وُجدفرع وخروج عن الأصل. (قالته أم الفضل) .