الصفحة 5 من 164

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسوله الأمين، وبعد؛

هذا الكتاب محاولة للوصول إلى تصور سياسي للحركة الإسلامية ينبني على نظرية سياسية إسلامية [1] .. تقوم على التأصيل الشرعي، والتحديد الواقعي.

والحقيقة التي يجب أن نفهمها قبل طرح النظرية السياسية الإسلامية: أن الحركة الإسلامية هي وحدها القادرة على تكوين نظرية سياسية صحيحة!

ذلك لأن للنظرية السياسية شروطًا علمية؛ وهي تكوين النظرية مع بداية مرحلة إنشاء الأمة [2] التي هي مرحلة «الدعوة» ، ومن خلال المضمون الحضاري لهذه الأمة دون انقطاع للوجود التاريخي لها [3] .

والأمة الإسلامية هي الأمة الوحيدة التي تكونت نظريتها السياسية من خلال منهجها مع بداية نشأتها حتى تمام تلك النشأة.

والأمة الإسلامية .. هي الأمة التي لم ينقطع وجودها التاريخي لحظة واحدة على هذه الأرض [4] .

والأمة الإسلامية هي الأمة ذات المضمون الحضاري المطلق .. وهو الحق.

والآن -ورغم ذلك- فإن المستقر في الأذهان أن الدعوة الإسلامية لا تملك تصورًا سياسيًّا .. وقد جاء هذا الادعاء في الابتداء كأسلوب خطير من أساليب التنقص الجاهلي للدعوة .. ولكن الادعاء استقر في الأذهان في النهاية؛ لأن الدعوة لم تعلن عن تصورها السياسي بعد.

ولم يستطع هؤلاء الذين استقر في أذهانهم هذا الادعاء التفريق بين عدم وجود نظرية سياسية، وبين وجود نظرية سياسية لم تطرح بعد.

(1) ليس المراد بالنظرية السياسية الإسلامية في كلام الشيخ رفاعي -رحمه الله- , الفكرة التي تحتمل الصواب والخطأ, فهو لا يجعل التصور الإسلامي محتمِلًا لذلك, ولكن يعبرون بالنظرية -وهو مصطلح قانوني- ويراد به دراسة مواضيع يجمعها أمر مشترك, أو مفهوم واسع تدخل تحته مسائل كثيرة مرتبطة ببعضها برابط معين، وقد دخل هذا المصطلح بعض العلوم الشرعية منذ وقت قريب بسبب تأثر بعض الشرعيين بدراسة العلوم القانونية [الناشر] .

(2) لأن لكل أمة مضمونًا حضاريًّا خاصًّا بها تنشأ عنه حركتها كرد فعل للحضارة المقابلة لها، وقيام الحضارات بمنطق الفعل ورد الفعل دليل على أنها حضارات مصنوعة بشريًّا ..

فالحضارة اليونانية كان مضمونها الحضاري المثالية الخيالية .. والحضارة الرومانية كان مضمونها الحضاري القوة البشرية والمادية، كرد فعل للمثالية .. والحضارة الفارسية كان مضمونها الحضاري الإله الحاكم (الذي يحكمهم من البشر) ، كرد فعل للقوة البشرية .. يسعى إلى نقل مفهوم القوة من البشر إلى الإله .. والحضارة الكاثوليكية كان مضمونها الحضاري التعصب، كرد فعل للحفاظ على الكاثوليكية أمام المذاهب المتعددة السابقة عليها والمواكبة لها .. والحضارة القومية كان مضمونها الفرد، كرد فعل للتعصب الاستفزازي للحضارة الكاثوليكية التي أهدرت العقل البشري واجتهاد الفرد وقيمته.

(3) لأن الانقطاع التاريخي للأمة يفقدها قدرتها على الاحتفاظ بنظريتها، والدليل التاريخي على ذلك هو الانقطاع الحضاري للأمة اليهودية الذي ترتب عليه أن تكونت النظرية السياسية اليهودية في أوروبا منقطعة الصلة عن المضمون الحضاري الحقيقي لليهودية وتبني اليهود المضمون القومي للحضارة الأوروبية، وعليه تكونت السياسة الحديثة لليهود.

(4) كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين حتى يأتيهم أمر الله وهم ظاهرون» (أخرجه البخاري 13/ 306/ح 7311، والترمذي في الفتن) واللفظ للبخاري.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت