الصفحة 6 من 164

ويبقى السؤال: لماذا لم تطرح الحركة الإسلامية -في الواقع القائم- تصورها السياسي حتى الآن؟

والإجابة: إن طرح التصور السياسي للحركة هو ذاته عمل سياسي يجب أن ينضبط بأحكام النظرية السياسية ذاتها، ومن أهم أحكام هذه النظرية .. العلاقة الصحيحة بين الفكر والحركة، وتصبح القاعدة في طرح التصور السياسي للحركة هي أن تبلغ الحركة مرحلة القوة السياسية .. فهل بلغت الحركة الإسلامية هذه المرحلة؟

نبدأ بمناقشة هذا التساؤل، وأول حقائق هذه المناقشة: أن القوة السياسية تعرف بشواهدها، ومواقع الدعوة المنتشرة في العالم المستضعفة أمام الحكومات الجاهلية .. تتراوح بين الوصول إلى مرحلة القوة السياسية التي تنطبق عليها هذه الشواهد، وبين مرحلة الاستضعاف الأولى، التي يعبر عنها بالمرحلة الفردية، مرورا ببعض المواقع التي ينطبق فيها بعض هذه الشواهد دون غيرها.

ووصول واقع الدعوة إلى مرحلة القوة السياسية -والتي تتوافر فيها جميع هذه الشواهد- يقتضي أن يطرح أصحاب هذا الواقع تصورهم السياسي .. ويصيروا ملزمين بالدخول في مرحلة الممارسة السياسية لدعوتهم ..

أما الشواهد العامة للقوة السياسية فأهمها: أن أعداء الدعوة يفكرون بمنطق التعامل مع أصحابها لا منطق القضاء عليها، وهذا هو الشاهد الأول؛ لأن نشأة القوة السياسية تأتي من خلال نظرة أعدائها لها وأسلوب التعامل معها.

وأن تكون قضية أصحاب القوة السياسية مؤيدة على مستوى الرأي العام اجتماعيًّا وفكريًّا، وأن يكون التعاطف مع أصحابها ثابتًا ومؤكدًا.

ويلاحظ في هذا الشاهد ألا يحسب فقط من خلال التأييد والتعاطف القائم، بل يشمل مدى قابلية غير المؤيدين لأن يكونوا مؤيدين.

وأن يمثل المعتنقون لقضية القوة السياسية كثرة عددية تبلغ مستوى القاعدة الجماهيرية، بحيث يصل مستوى تلك القاعدة إلى أنها تكاد تمثل موقف «الشعب» أو الأمة.

وأن تمثل هذه الكثرة نماذج متعددة من جميع المستويات الاجتماعية بحيث لا يمكن تقييدها بمستوى اجتماعي معين أو فئة اجتماعية، ويشمل هذا الشاهد وجود عناصر اجتماعية متميزة من كل طبقات المجتمع.

وأن تحقق الكثرة العددية بعناصرها المختلفة اختراقًا واضحًا لمجال ومستوى السلطة القائمة [1] .

وأن تملك هذه القوة دائما رد الفعل المناسب إذا حاول أعداؤها التأثير في قوتها أو إضعافها؛ بحيث يتطلب رد الفعل المطلوب الإمكانيات المادية اللازمة والاستعداد للبذل والتضحية بصفة دائمة ويقظة [2] .

وأن يؤكد حجم القوة السياسية في الواقع: المفاوضات والمعاهدات والاتفاقات السرية والعلنية بين القوة السياسية وأعدائها أصحاب السلطة.

فإذا بلغ موقع من مواقع الدعوة مرحلة القوة السياسية بشواهدها المذكورة .. فإن على أصحاب هذا الموقع بدء الممارسة السياسية؛ ابتداء من طرح التصور السياسي لهم، والمنطلق من واقعهم القائم ومرحلتهم العملية.

ومن هنا فإن الممارسة السياسية الجاهلية في مواجهتها للدعوة تقوم على منع الدعوة من تحقيق أيٍّ من

(1) مثل مؤمن آل فرعون.

(2) ومن هنا كان الاستعداد للتضحية مساويًا في القرآن للتضحية ذاتها، وذلك كما في قوله تعالى: {مِنَ المُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا} ، فمن قضى نحبه هو الذي مارس التضحية، ومن ينتظر هم أصحاب الاستعداد لبذل هذه التضحية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت