ولأجل أن نبدأ تقييم الممارسة السياسية يجب أن نقارن بين طبيعة هذه الممارسة مع أساليب الحركة الإسلامية.
وقد اتفقنا أن الأساليب الأساسية للحركة الإسلامية هي: التبليغ بالكلمة، واستخدام القوة، وإقامة السلطة .. أما الهجرة والعزلة فهي تصرف اضطراري يتحتم عند اليأس من الاستجابة، والفرق بينهما: أن الهجرة تصرف اضطراري جماعي، والعزلة تصرف اضطراري فردي ... ولا تخرج أساليب العمل عن هذا الإطار العام.
أما العلاقة بين هذه الأساليب .. فيثبت فيها أن استفاضة البلاغ، وإقامة الحجة، والدعوة بالكلمة، هي الخط الأصلي للحركة، وأن خط القوة هو في الابتداء لإنشاء فرصة الدعوة بالكلمة .. عندما تمنع الجاهلية هذه الفرصة، وفي الانتهاء .. لإقامة السلطة وإنشاء الدولة.
أما موقع الممارسة السياسية من هذا الإطار فهو:
أن الممارسة السياسية تحقق ضبط العلاقة بين أساليب الحركة ذاتها من ناحية، وأساليب الحركة بالنسبة للواقع من ناحية أخرى.
فهي التي تفرض أسلوب التبليغ بالكلمة بعد تحليل الواقع وموضع الدعوة ..
وهي التي تفرض أسلوب القوة عندما تُمنع الدعوة من فرصة الاتصال بالناس ..
وهي التي تحلل آثار القوة في الواقع وتؤكد تلك الآثار لتحقيق غاية الحركة الأصلية، وهي إقامة دولة الدعوة والهداية.
إذًا فالممارسة السياسية ليست أسلوبًا قائمًا بذاته .. ولكنها الضابط لكل أساليب الحركة .. بحيث يتحقق الهدف الأساسي للدعوة من خلال أي أسلوب.
فهناك مثلًا أسلوب الدعوة وأسلوب القوة ..
وهناك السياسة الضابطة للعلاقة بين هذين الأسلوبين التي تضمن بها الدعوة الاتجاه بالأسلوب المناسب نحو تحقيق الهدف النهائي ..
فقد تفرض الممارسة السياسية إيقاف أسلوب استخدام القوة وقد تحتمه، وفي كلا الافتراضين يكون تحقيق الهدف هو الأمر القائم المطلوب.
هذه هي قيمة الممارسة السياسية على مستوى أساليب الحركة.
أما قيمة الممارسة السياسية على مستوى الكيانات المتعددة في الواقع الواحد .. فإنها قيمة ضخمة، وهي إدخال الكيانات المتعددة للدعوة ضمن إطار الحركة الواحدة .. دون علاقة حركية مباشرة بين هذه الكيانات، باعتبار صعوبة تلك العلاقة منهجيًّا وحركيًّا، بل إن فرض التصور السياسي الصحيح للحركة هو الذي سيعطي لكل كيان بمنهجه الذي يتبناه مساحته الصحيحة في الواقع الحركي، ويصبح ضبط هذه المساحة وتلك العلاقة بالزيادة أو التحجيم مرتبطًا بهذا التصور وتلك الممارسة.
فقد ينشأ في «موقع» واحد للدعوة «دولة أو إقليم أو منطقة» كيانات متعددة ومختلفة، وعندئذ يجب منع الصراع بتحديد العلاقة السياسية بين هذه الكيانات، أو بمعنى آخر: طرح التصور السياسي للحركة الإسلامية الذي يرى فيه كل كيان منهجيته التي يتصورها وحركته التي يمارسها، بحيث ينشأ الموقف الواحد لجميع كيانات الحركة بصورة سياسية صحيحة.
وكذلك، فإن تحديد التصور السياسي للحركة الإسلامية سيسد ثغرات خطيرة في منهج الدعوة ..
وأخطرها: ثغرة الخروج عن الأحكام الشرعية في ممارسة الدعوة بادِّعاء «مصلحة الدعوة» ، حيث يسد التصور السياسي للدعوة بصبغته السلفية هذه