فهرس الكتاب
تنظيم القاعدة و"الجهاد"الإلكتروني
حسن أبوهنية
يبدو أن الجاذبية التي يتمتع بها تنظيم القاعدة في تجنيد أعضاء ومناصرين لا تقتصر على الطبيعة الأيديولوجية والخطاب الديني المعولم للتنظيم فحسب، بل تتجاوز تلك الجاذبية المنظومة الأيديولوجية والخطابية؛ وذلك بالاعتماد على وسائل وتقنيات حديثة في إيصال رسالته الجهادية النظرية، وتحقيق إستراتيجياته العملية (1) ؛ فقد أظهرت القاعدة قدرة فائقة على التكيف والتطور مع التحديات والمتغيرات المختلفة، وتمكنت من ابتكار وابتداع طرائق فريدة للحفاظ على وجودها وتطوير قدراتها الواقعية والافتراضية على الرغم من كثافة الملاحقة الدولية التي تقودها الولايات المتحدة وحلفائها في إطار سياسات ما يسمى"الحرب على الإرهاب".
فقد أثارت ثلاث عمليات منفصلة استهدفت الولايات المتحدة الأميركية عشية أعياد الميلاد ورأس السنة نهاية العام 2009م، جملة واسعة من الجدالات والتساؤلات حول مستقبل الأمن القومي الأميركي خصوصًا والدولي عمومًا، وحول ماهية التحولات العميقة التي طرأت على إستراتيجيات وتكتيكات تنظيم القاعدة القتالية؛ فقد كشفت العمليات التي نفذها كل من: نضال حسن، وعمر الفاروق، وهمام البلوي عن نموذج إرشادي قاعدي يتسم بالجدة والفرادة والطرافة في مجال التجنيد والتنفيذ واختيار الأهداف، ولعل قراءة هذه النماذج التفسيرية تفضي إلى التعرف على مدى التطور والقدرة على إبداع وسائل وتقنيات مبتكرة لدى جهاديي الجيل الثالث من أبناء تنظيم القاعدة؛ فالعامل المشترك الذي يجمع بين هذه النماذج هو الدخول في أفق الفضاء الإلكتروني والعوالم الافتراضية الذي نتج عن الثورة الرقمية في سياقات العولمة.
تنظيم القاعدة وبدايات الدخول على الإنترنت
يعتبر تنظيم القاعدة من أكثر التنظيمات الراديكالية المسلحة اهتمامًا بشبكة الإنترنت والمسألة الإعلامية، فقد أدرك منذ فترة مبكرة من تأسيسه الأهمية الاستثنائية للوسائط الاتصالية في إيصال رسالته السياسية ونشر أيديولوجيته السلفية الجهادية؛ بحيث أصبح مفهوم"الجهاد الإلكتروني" (2) راسخًا في أدبياته الإعلامية؛ فقد أشار الظواهري إلى أن العمل الإعلامي للقاعدة يتمتع بنفس أهمية العمل العسكري، وقال في أحد لقاءاته:"أسأل الله أن يجزي العاملين في الإعلام الجهادي خير الجزاء ... وأدعوهم لمزيد من الجهد والعطاء, وأحمد الله أنْ شهد الأعداء -وفي خدمتهم الإمكانات الهائلة ومؤسسات الإعلام الجبارة- بهزيمتهم أمام الإمكانات"