الصفحة 750 من 802

أتساءل هل سأبقى محبًا للجهاد وطالبًا للشهادة عندما أصير رجلًا أم أنني سأصبح مثل من حولي ممن يعتبرون الجهاد فكرًا خياليًا وضربًا من الجنون "عافانا الله"؟.

نما معي هذا الحب وإن كان قد تعرض لنكسات في مراحل حياتي المختلفة، هذا الحب لمن لا يعرفه يكدّر على القاعد حياته ويفسد عليه ملذاته، ولا يفهم كلماتي هذه إلا مبتلى به.

عندما تتفكر في الآيات والأحاديث التي تتحدث عن الجهاد وفضله وتطلق العنان لخيالك ليحلق فيما أعده الله للشهداء تزهد نفسك في كل ما سواه، وتصبح البيوت الفخمة والسيارات الفارهة وكل زينة الدنيا أحقر في نظرك من تلك التمرات التي ألقاها عمير بن الحُمام -رضي الله عنه- من قرنه قائلًا: "لإن أنا حييت حتى آكل تمراتي هذه إنها لحياة طويلة"، ثم قاتل المشركين حتى قُتل.

إذا دخل حب الجهاد قلب رجل فلن يدعه وإن أراد هو ذلك، وإن حاول النسيان أو التناسي فستتفاقم الأعراض وتستعصي الحالة، وسيجد نفسه محاصرًا بكل ما يذكِّره به، خبر عارض يسمعه في المذياع عن عملية استشهادية في الموصل سيذكره بالجهاد، جملة قصيرة في الشريط الإخباري تتحدث عن كلمة جديدة للشيخ أسامة ستذكره به، بل سيذكره ما يرى من قصور فارهة بمنازل الشهداء في الفردوس الأعلى، وإذا أعجبه حسن زوجته فسيخطر على باله تلك الحسناوات اللاتي ينتظرن أزواجهن من الشهداء على فرش من حرير، كل متعة ناقصة في دار الفناء ستذكره بأختها الكاملة في دار البقاء مما أعده الله لعباده الشهداء.

وقديمًا قالوا: "ومن الحب ما قتل"، ولا أراها حقًا إلا في حب الجهاد، فهذا الحب إما أن يقتلك حسرة إن اخترت القعود، أو يقتلك شهيدًا في سبيل الله إن اخترت النفير، وما على المرء إلا أن يختار بين هاتين القتلتين.

أما البعد العام من إجابة السؤال فهو ما يتعلق بما تعانيه الأمة الإسلامية من نكبات ومآسي تستنفذ الدموع المخدرة وتدمي القلوب المحجرة، تلك الصور والقصص التي تتناهى إلى أبصارنا وأسماعنا ولا يمكن لحجرٍ فضلًا عن بشرٍ أن يتحملها، فما بالك بإنسان مسلم سمّاه أبواه باسم رجل؟؟

مشهد الكاسيات العاريات من بني صهيون وهن يشاهدن بالمنظار مدينة غزة وهي تُحرق بمن فيها وكأنهن يشاهدن فيلما كوميديا أو يتابعن ظاهرة طبيعية .. !

صور جثث الأطفال هناك وقد رصَّت في أروقة المستشفيات وارتسمت على محياهم براءة طاهرة ما دنستها بشاعة الجريمة حتى ما عدنا نميز إن كانوا نيامًا أو قتلى! .. ، وقبل ذلك ما حدث في المسجد الأحمر وكيف تم قتل طالبات الشيخ عبد الرشيد غازي رحمه الله بعد أن اخترن العزيمة على الرخصة، فلم يتركن مجالًا لمسلم يأنس في نفسه شيئًا من الرجولة ليبقى مترددًا بين عار القعود ومجد النفير.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت