الصفحة 11 من 22

قلتُ: سبحان الله؛ انظر إلى فقه العالم الرباني الذي فهم مقاصد الشرعية وجمع بين الفقه والحديث، هاهم علماء المسلمين، وقارن هذا بضيق آفاق الأفاقين، وقلة علم المتعالمين.

وقال الشيخ العلوان: «وقصة الصديق أبي بكر -رضي الله عنه- خير دليل على هذه المسألة؛ فإنه -رضي الله عنه- راهن المشركين على انتصار الروم على فارس، والقصة عند الترمذي في جامعه (3193) من طريق أبي إسحاق الفزاري عن سفيان الثوري، عن حبيب بن أبي عمرة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في قول الله تعالى: {ألم * غلبت الروم * في أدنى الأرض} قال: غُلبت وغَلبت. قال: كان المشركون يحبون أن يظهر أهل فارس على الروم لأنهم وإياهم أهل أوثان، وكان المسلمون يحبون أن يظهر الروم على فارس لأنهم أهل كتاب، فذكروه لأبي بكر، فذكره أبو بكر لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال: (أما إنهم سيغلبون) ؛ فذكره أبو بكر لهم، فقالوا: اجعل بيننا وبينك أجلًا فإن ظهرنا كان لنا كذا وكذا، وإن ظهرتم كان لكم كذا وكذا فجعل أجل خمس سنين فلم يظهروا، فذكروا ذلك للنبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (ألا جعلته إلى دون) قال: أراه العشر، قال: قال سعيد: والبضع ما دون العشر، قال: ثم ظهرت الروم بعد قال: فذلك قوله تعالى: {ألم * غلبت الروم} إلى قوله: {ويومئذ يفرح المؤمنون * بنصر الله ينصر من يشاء} قال سفيان: سمعت أنهم ظهروا عليهم يوم بدر. قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح غريب إنما نعرفه من حديث سفيان الثوري، عن حبيب بن أبي عمرة.

فهذا الخبر دليل على جواز مناصرة كافر على كافر آخر، سواء كانت المناصرة بالفرح والتأييد على ما جاء في هذا الخبر، أو كانت بالمعونة المالية، والنفس ما دامت فيه مصلحة راجحة للإسلام والمسلمين، وينظر في هذه المصلحة إلى أهل العلم بالشرع، وأهل الورع والتقوى، ولا يلتمس هذا الأمر عند من اشترى بآيات الله ثمنًا قليلًا، وجعل الفتوى حسب الطلب، والمصالح الشخصية، والمآرب السياسية.

وقد قال أبو حنيفة -رحمه الله-: يستعان بهم ويعانون على الإطلاق متى كان حكم الإسلام هو الغالب الجاري عليهم؛ فإن كان حكم الشرك هو الغالب كره، وذهب غيره: إلى أنه لا يكره، وأنه لا حرج من القتال معهم، وتحت رايتهم لمصلحة راجحة، وإذا قصد بقتاله النكاية بالكفار وزعزعة صفوفهم، أثيب على ذلك، وإن مات رجيت له الشهادة.

وقال الشافعي في الأم (4/ 242) : ولو أسر جماعة من المسلمين فاستعان بهم المشركون على مشركين مثلهم ليقاتلوهم، فقد قيل يقاتلونهم، وقيل قاتل الزبير وأصحاب له ببلاد الحبشة مشركين عن مشركين.

ومن قال هذا القول قال: وما يحرم من القتال معهم ودماء الذين يقاتلونهم وأموالهم مباحة بالشرك.

ولو قال قائل: قتالهم حرام؛ لمعان منها:

أن واجبًا على من ظهر من المسلمين على المشركين فغنم فالخمس لأهل الخمس وهم متفرقون في البلدان، وهذا لا يجد السبيل إلى أن يكون الخمس مما غنم لأهل الخمس ليؤديه إلى الإمام فيفرقه، وواجب عليهم إن قاتلوا أهل الكتاب فأعطوا الجزية أن يحقنوا دماءهم، وهذا إن أعطوا الجزية لم يقدر على أن يمنعهم حتى يحقنوا دماءهم كان مذهبًا وإن لم يستكرهوهم على قتالهم كان أحب إلي أن لا يقاتلوا، ولا نعلم خبر الزبير يثبت ولو ثبت كان النجاشي مسلمًا كان آمن برسول -صلى الله عليه وسلم-، وصلى النبي -صلى الله عليه وسلم- عليه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت