وفي مسائل الإمام أحمد لأبي داود (248 - 249) قلت لأحمد: لو نزل عدو بأهل قسطنطينية فقال الملك للأسرى: اخرجوا فقاتلوا، وأعطيكم كذا وكذا؟ قال: إن قال أخلي عنكم فلا بأس رجاء أن ينجوا.
قال: قلت فإن قال: أعطيكم وأحسن إليكم، هل يقاتلون معه؟
قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا) لا أدري.
وقوله -رحمه الله-: (لا أدري) ، وذلك لتعارض المصالح، والمفاسد، والقواعد في هذا الباب واضحة وجلية، ويبقى الشأن في تنزيل المصالح، والمفاسد على النوازل.
والمسائل عند التطبيق تظل بحاجة إلى التقدير والتمييز والدراسة، لتحديد الراجح من المرجوح، وما هو من قبيل جلب المصلحة، وما هو من قبيل درء المفسدة، ولتمييز أي المصلحتين أصلح، وأيهما أكبر، وقد أفتى الإمام أحمد -رحمه الله- بجواز القتال مع الكفار وتحت رايتهم، لفك الأسر، وهو قد ينجو وقد يهلك ومناط الجواز في هذا هو تحقيق المصلحة، وتوقف -رحمه الله- في القتال معهم إذا كان بقصد دنيا يصيبونها، أو مكرمة ينالونها وقد ذهب طائفة من الفقهاء إلى جواز هذا بنية إعلاء كلمة الله، وإلحاق الضرر بالكفار، وتوهين قوتهم، وبث الرعب في صفوفهم.
وقال محمد بن الحسن -رحمه الله- كما في شرح السير (4/ 1515) : لا ينبغي للمسلمين أن يقاتلوا أهل الشرك مع أهل الشرك؛ لأن الفئتين حزب الشيطان وحزب الشيطان هم الخاسرون؛ فلا ينبغي للمسلم أن ينضم إلى إحدى الفئتين فيكثر سوادهم ويقاتل دفعًا عنهم؛ وهذا لأن حكم الشرك هو الظاهر، والمسلم إنما يقاتل لنصرة أهل الحق لا لإظهار حكم الشرك -إلى أن قال رحمه الله تعالى-: ولو قال أهل الحرب لأسراء فيهم: قاتلوا معنا عدونا من المشركين، وهم لا يخافونهم على أنفسهم إن لم يفعلوا، فليس ينبغي أن يقاتلوهم معهم؛ لأن في هذا القتال إظهار الشرك، والمقاتل يخاطر بنفسه فلا رخصة في ذلك إلا على قصد إعزاز الدين، أو الدفع عن نفسه. فإذا كانوا يخافون أولئك الآخرين على أنفسهم فلا بأس بأن يقاتلوهم; لأنهم يدفعون الآن شر القتل عن أنفسهم، فإنهم يأمنون الذين هم في أيديهم على أنفسهم، ولا يأمنون الآخرين إن وقعوا في أيديهم، فحل لهم أن يقاتلوا دفعًا عن أنفسهم.
وإن قالوا لهم: قاتلوا معنا عدونا من المشركين وإلا قتلناكم، فلا بأس بأن يقاتلوا دفعًا لهم، لأنهم أيضًا يدفعون الآن شر القتل عن أنفسهم، وقتل أولئك المشركين حلال ولا بأس بالإقدام على ما هو حلال عند تحقق الضرورة بسبب الإكراه، وربما يجب ذلك كما في تناول الميتة، وشرب الخمر.
فإن هددوهم ليقفوا معهم في صفهم ولا يقاتلوا المسلمين، فهم في سعة في ذلك لأنهم الآن لا يصنعون بالمسلمين شيئًا، فهذا ليس من جملة المظالم وأكبر ما فيه أن يلحق المسلمين هم لكثرة سواد المشركين في أعينهم - فهو بمنزلة ما لو أكره على إتلاف مال المسلمين بوعيد متلف-.
ولو قالوا لهم: قاتلوا معنا عدونا من أهل حرب آخرين على أن نخلي سبيلكم إذا انقضت حربنا، ووقع في قلوبهم أنهم صادقون فلا بأس أن يقاتلوا معهم، لأنهم يدفعون بهذا الأسر عن أنفسهم.