الصفحة 13 من 22

وقال السرخسي الحنفي -رحمه الله- في (المبسوط10/ 98) : وإذا كان قوم من المسلمين مستأمنين في دار الحرب فأغار على تلك الدار قوم من أهل الحرب لم يحل لهؤلاء المسلمين أن يقاتلوهم; لأن في القتال تعريض النفس فلا يحل ذلك إلا على وجه إعلاء كلمة الله عز وجل وإعزاز الدين، وذلك لا يوجد ههنا; لأن أحكام أهل الشرك غالبة فيهم فلا يستطيع المسلمون أن يحكموا بأحكام أهل الإسلام، فكان قتالهم في الصورة لإعلاء كلمة الشرك، وذلك لا يحل إلا أن يخافوا على أنفسهم من أولئك؛ فحينئذ لا بأس بأن يقاتلوهم للدفع عن أنفسهم، لا لإعلاء كلمة الشرك، والأصل فيه حديث جعفر -رضي الله عنه-، فإنه قاتل بالحبشة العدو الذي كان قصد النجاشي، وإنما فعل ذلك; لأنه لما كان مع المسلمين يومئذ آمنًا عند النجاشي فكان يخاف على نفسه وعلى المسلمين من غيره فعرفنا أنه لا بأس بذلك عند الخوف.

وقال ابن هبيرة في الإفصاح (2/ 438) : واختلفوا هل يستعان بالمشركين على قتال أهل الحرب، أو يعاونون على عدوهم؟ فقال مالك وأحمد: لا يستعان بهم ولا يعاونون على الإطلاق، واستثنى مالك: إلا أن يكونوا خدمًا للمسلمين فيجوز. وقال أبو حنيفة: يستعان بهم ويعاونون على الإطلاق متى كان حكم الإسلام هو الغالب الجاري عليهم، فإن كان حكم الشرك هو الغالب كره، وقال الشافعي: يجوز ذلك بشرطين أحدهما: أن يكون بالمسلمين قلة، وبالمشركين كثرة، والثاني: أن يعلم من المشركين حسن رأي في الإسلام، وميل إليه، فإن استعين بهم رضخ لهم، ولم يسهم لهم، إلا أن أحمد قال في إحدى روايتيه يسهم لهم.

وقال الجصاص الحنفي في مختصر اختلاف الفقهاء للإمام الطحاوي (3/ 454) : قال أصحابنا (في المستأمن المسلم يقاتل مع المشركين) : لا ينبغي أن يقاتلوا مع أهل الشرك؛ لأن حكم الشرك هو الظاهر وهو قول مالك. وقال الثوري: يقاتلون معهم.

وقال الأوزاعي: لا يقاتلون إلا أن يشترطوا عليهم إن غلبوا أن يردوهم إلى دار الإسلام. وللشافعي قولان. انتهى.

وفي الفتاوى الكبرى الفقهية (2/ 25) لابن حجر الهيتمي -رحمه الله تعالى-: وسئل نفع الله به وفسح في مدته: عما إذا حضر المسلم الحرب الواقعة بين الكفار الحربيين ككفرة مليبار فإن من يشاهد الحرب كافرًا كان أو مسلمًا يقصد معاركهم إلى نحو فرسخين ويعدون لذلك مآكل، ويقوم عند معركتهم ويتفرج على القتل والضرب فيما بينهم، فهل يأثم المسلم بمشاهدته وحضوره لما فيه من تكثير جمعهم، مع أنه لا ضرورة له إلى ذلك وتقبيح طائفة وتحسين أخرى والحث على الهجوم على الآخرين، ووجود الخطر فربما تصل إليه سهامهم، وربما يجرح وربما يقتل أو لا إثم في ذلك؟

وإذا أعان المسلمون إحدى طائفتي الكفرة في حروبهم، وقاتلوا الآخرين معهم من غير ضرورة ولا حاجة حتى يَقتُلوا أو يُقْتَلوا في الحروب، فهل يجوز ذلك أو لا؟ وهل يؤجر المسلم بذلك لقتله الكافر أو لكونه مقتوله؟ وهل يعامل معاملة الشهيد في عدم الغسل والصلاة عليه؟ وقد يكون خروج المسلم لإعانتهم لطلب ملوك بلادهم الكفرة منه أن يخرج معهم لذلك، فكيف يكون الحكم في ذلك؟ وهل فرق بين ما إذا خرج بطلب ملوكهم أو لا؟

فأجاب بقوله: حضور المسلم لحرب الحربيين فيما بينهم بقصد تعلمه الشجاعة وكيفية القتال وقوة النفس عند مشاهدته أو بقصد فرحه بمن مات من الحربيين لتعلو كلمة الله تعالى بضعف شوكتهم وقلة عددهم، أو بقصد شيء غير ذلك من المقاصد الصحيحة جائز غير محذور فيه بوجه، سواء بعد مكان الحرب أو قرب، وليس في ذلك تكثير لجمعهم، فإن التكثير إنما يتصور في حق الموالي والمناصر، وأما الحاضر راجيًا لزوالهم وفنائهم عن آخرهم ومنتظرًا وقوع دائرة عليهم فينتقم منهم فغير مكثر لجمعهم، بل هو من جملة المحاربين لهم باطنًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت