وكذا لا محذور أيضًا في إغراء بعضهم على بعض، لأن التوصل إلى قتل الحربي جائز بل محبوب بأي طريق كان، هذا كله إن ظن سلامته أو قتله بعد إنكائهم.
أما لو غلب على ظنه أن مجرد حضوره يؤدي إلى قتله أو نحوه من غير أن يلحقهم منه نكاية بوجه، فحضوره حينئذ في غاية الذم والتقصير؛ فليمسك عنه، وإذا أعان مسلم أو أكثر إحدى الطائفتين فقتله في الحرب أحد الحربيين فهو شهيد لا يغسل ولا يصلى عليه وله ثواب، أي ثواب إن قاتل لتكون كلمة الله هي العليا، ولا فرق في ذلك كله بين من خرج بنفسه ومن خرج بطلب ملكهم له حيث لا إجبار.
وسئل أيضًا (4/ 222) : هل يجوز حضور المسلمين الحروب التي تقع فيما بين الكفرة للمشاهدة والتفرج أو لا يجوز، لما في ذلك من تكثير جمعهم وإعانتهم على ظلمهم وتحسين طائفة وتقبيح أخرى، ووجود الخطر، فإنه ربما تصل أسهمهم إلى الناظرين، وكان مشايخنا من أهل مليبار يمنعون المسلمين من حضورهم حروبهم؟ وهل يجوز قتال المسلمين مع إحدى الطائفتين من الكفار حتى يقتل أو يقتل من غير حاجة إلى ذلك أولا؟ وهل يؤجر لأنه إما أن يقتل كافرا أو يقتله كافر، وهل يعامل معاملة الشهيد؟
فأجاب -رحمه الله تبارك وتعالى- بقوله: إذا وقع قتال بين طائفتين من الحربيين لم يحرم الحضور، لأن كلًّا من الطائفتين مهدر، فالقتل فيهما واقع في محله، فليس ثم معصية أقر عليها المتفرج بحضوره، نعم إن خشي على عود ضرر عليه من الحضور حرم عليه.
ولعل منع المشايخ المذكورين الحضور، كان لأجل ذلك، وللمسلمين أن يقاتلوا كلًّا من الطائفتين، وإن يقاتلوا إحداهما، لا بقصد نصرة الطائفة الأخرى، بل بقصد إعلاء كلمة الإسلام، وإلحاق النكاية في أعداء الله تعالى، ومن فعل ذلك بهذا القصد حصل له أجر المجاهد لقوله -صلى الله عليه وسلم- في خبر البخاري وغيره: من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله، ولا شك أن من قاتل إحدى الطائفتين بقصد ذلك كان كذلك حتى إذا قتل في الحرب، أو انقضت وحركته حركة مذبوح أو ليس به حياة مستقرة عُومل معاملة الشهيد في الدنيا والآخرة، فلا يغسل ولا يصلى عليه، نعم يشترط أن يعلم مريد القتال أنه يبلغ نوع نكاية فيهم، أما لو علم أنه بمجرد أن يبرز للقتال بادروه بالقتل من غير أدنى نكاية فيهم فلا يجوز له قتالهم حينئذ، لأنه يقتل نفسه من غير فائدة البتة، فيكون عليه إثم قاتل نفسه، والله سبحانه وتعالى أعلم.
والنقولات عن الأئمة، والفقهاء، في هذا الباب كثيرة؛ فمنهم من أجاز بقيد ومنهم من أطلق، وذهب آخرون إلى المنع مطلقًا، والصواب من ذلك: الجواز للحاجة سواء كانت الحاجة خاصة تعود على فك أسير، أو كانت عامة لمصلحة المسلمين، ومناط الجواز في هذه المسألة النازلة الحاجة، ويرجع في ذلك إلى أهل العلم، والخبرة في كل نازلة.
وقد جاءت الشريعة، بتحصيل المصالح وتكميلها، وتعطيل المفاسد وتقليلها ويُحقق في هذا الباب خير الخيرين وشر الشرين، وتقدم المصلحة العامة على المصلحة الخاصة، والضرر الأشد يزال بالضرر الأخف، ويتحمل الضرر الخاص لدفع الضرر العام.