الصفحة 16 من 22

جاء في كتاب السير الكبير (4/ 1422) للإمام محمد بن الحسن الشيباني تلميذ أبي حنيفة -رحمهما الله تعالى-، فصل بعنوان: باب الاستعانة بأهل الشرك واستعانة المشركين بالمسلمين وذكر فيه: حديث الزبير -رضي الله عنه-، حين كان النجاشي (هذا في هجرة المسلمين إلى الحبشة) فنزل به (أي بالنجاشي) عدوه فأبلى يومئذ (أي ابن الزبير) مع النجاشي بلاء حسنًا، فكان للزبير عند النجاشي بها منزلة حسنة، فبظاهر هذا الحديث يستدل من يجوز قتال المسلمين مع المشركين تحت رايتهم، ولكن تأويل هذا من وجهين عندنا:

أحدهما: أن النجاشي كان مسلمًا يومئذ، كما رُوي فلهذا استحل الزبير القتال معه.

والثاني -وهو شاهدنا المقصود- قال: والثاني: أنه لم يكن للمسلمين يومئذ ملجأ غيره على ما روي عن أم سلمة -رضي الله عنها-، قالت: لما اطمأننا بأرض الحبشة فكنا في خير دار، عند خير جار، نعبد ربنا إلى أن سار إلى النجاشي عدو له، فما نزل بنا قط أمرٌ أعظم منه، قلنا: أن ظهر على النجاشي لم يعرف من حقنا ما كان قوله (أنه لم يكن للمسلمين يومئذ ملجأ غيره) ، فهذا يعني أنهم دافعوا عن ملجئهم بالدعاء ومشاركة ابن الزبير لأن ظهور عدوه يفضي إلى هلاكهم والله أعلم.

ثم قال في الفقرة (2972) ، وهو شاهد يهمنا قال: ولو قال أهل الحرب لأسرى فيهم (يقصد من أهل الإسلام مأسورين عندهم) ، قاتلوا معنا عدونا من المشركين وهم لا يخافون على أنفسهم إن لم يفعلوا فليس ينبغي أن يقاتلوهم معهم، لأن في هذا القتال إظهار الشرك، والمقاتل يخاطر بنفسه فلا رخصة في ذلك إلا على قصد إعزاز الدين أو الدفع عن نفسه، ثم قال فإذا كانوا يخافون أولئك الآخرين على أنفسهم فلا بأس بأن يقاتلوهم لأنهم يدفعون الآن شر القتل عن أنفسهم، فإنهم يأمنون الذين هم في أيديهم على أنفسهم ولا يأمنون الآخرين إن وقعوا في أيديهم، فحل لهم أن يقاتلوا دفعًا عن أنفسهم

ثم قال في المسألة (2973) : وإن قالوا لهم (أي المشركين الآسرين لأسراهم من المسلمين) : قاتلوا معنا عدونا من المشركين وإلا قتلناكم فلا بأس بأن يقاتلوا دفعًا لهم، لأنهم يدفعون الآن شر القتل عن أنفسهم، وقتال أولئك المشركين لهم حلال، ولا بأس بالإقدام على ما هو حلال، عند تحقق الضرورة بسبب الإكراه، وربما يجب ذلك كما في تناول الميتة وشرب الخمر.

ثم قال في مسألة (2972) : وإن قالوا لهم قاتلوا معنا المسلمين وإلا قاتلناكم لم يسعهم القتال مع المسلمين لأن ذلك حرام على المسلمين بعينه، فلا يجوز الإقدام عليه بسبب التهديد بالقتل كما لو قال له: اقتل هذا المسلم وإلا قتلتك.

ثم قال في المسألة (2977) وهو شاهد يهمنا جدًا: قال: ولو قالوا للأسرى (أي الآسرون مشركون قالوا لأسراهم المسلمين) قاتلوا معنا عدونا من أهل حرب آخرين على أن نخلي سبيلكم إذا انقضت حربنا، ووقع في أنفسهم أنهم صادقون فلا بأس بأن يقاتلوا معهم؛ لأنهم يدفعون بهذا الأسر عن أنفسهم ولا يكون هذا دون ما إذا كانوا يخافون على أنفسهم من أولئك المشركين.

فكما يسعهم الإقدام هناك، فكذلك يسعهم هنا، فإن قيل: كيف يسعهم هذا وفيه قوة لهم على المسلمين؛ لأنهم إذا ظفروا بعدوهم فأمنوا جانبهم أقبلوا على قتال المسلمين، وربما يأخذون منهم الكراع والسلاح فيتقوون بها على المسلمين، قلنا: ذلك موهوم، وما يحصل لهم الآن من النجاة من أسر المشركين بهذا القتال معلوم، فيترجح هذا الجانب، ألا ترى أنهم لو طلبوا من إمام المسلمين أن يفاديهم بأعدائهم من المشركين أو بالكراع والسلاح جاز له أن يفعل لتخليصهم به من الأسر وإن كانوا يتقوون بما يأخذون على المسلمين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت